ابن قيم الجوزية

106

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

هارون بن رباب عن أنس بن مالك قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك على حسن يوسف وعلي ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلين » وقال ابن وهب حدثنا معاوية بن صالح عن عبد الوهاب بن بخت عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن أهل الجنة يدخلون الجنة على قدر آدم ستون ذراعا وعلى ذلك قطعت سررهم » وقد تقدم أن أول زمرة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر وأن الذين يلونهم على ضوء أشد كوكب في السماء إضاءة . وأما الأخلاق فقد قال تعالى : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ فأخبر عن تلاقي قلوبهم وتلاقي وجوههم ، وفي الصحيحين « أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء » والرواية على خلق بفتح الخاء وسكون اللام والأخلاق كما تكون جمعا للخلق بالضم فهي جمع للخلق بالفتح والمراد تساويهم في الطول والعرض والسن وإن تفاوتوا في الحسن والجمال ولهذا فسره بقوله على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء . وأما أخلاقهم وقلوبهم ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة : « أول زمرة تلج الجنة » الحديث وقد تقدم وفيه لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد يسبحون اللّه بكرة وعشية وكذلك وصف اللّه سبحانه وتعالى نساءهم بأنهن أتراب أي في سن واحدة ليس فيهن العجائز والشواب وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات لأنه أكمل سن القوة مع عظم آلات اللذة وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مائة عذراء كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض فإنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال وتناسب الخلقة يصير طولا مع دقة أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب واللّه أعلم . الباب الأربعون في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم أعلاهم منزلة سيد ولد آدم صلوات اللّه وسلامه عليه قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ