محمد جواد مغنيه

203

الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة

وأن يولد الصبي ، ولا يكلم الناس ساعة ولادته ، وإذا جاع أحدنا لا تنزل عليه مائدة من السماء ، وإذا أصابه العمى والبرص لا يشفى بدون علاج ، وإذا سبح اللّه وحمده لا تردد الجبال والطير معه التسبيح والتحميد ، وإذا أخذ الحديد بيده لا يلين له كالشمع ، وإذا سمع منطق الطير لا يفهم منه شيئا ، كما يخفى عليه حديث النمل ، ويعجز عن تسخير الجن في عمل المحاريب والتماثيل . ولم يشاهد إنسانا حيا منذ قرون ، ولا انقلاب العصا إلى ثعبان ، ولا وقوف مياه البحر كالجبال ، ولا جلوس الإنسان في النار دون أن يناله أي أذى . فكل هذه ، وما إليها لم تجر العادة بوقوعها ، ولم يألف الناس مشاهدتها ، لذا ظن من ظن أنها مستحيلة في حكم العقل ، مع أنها ممكنة عقلا ، بعيدة عادة . بل وقعت بالفعل . فلقد أخبر القرآن الكريم بصراحة لا تقبل التأويل أن السيد المسيح كلم الناس ، وهو في المهد ، وأحيى الموتى ، وأبرأ الأكمه والأبرص ، وأنزل مائدة من السماء وأنه ما زال حيا ، وسيبقى حيا إلى يوم يبعثون ، وأن النار كانت بردا وسلاما على إبراهيم ، وأن عصا موسى صارت ثعبانا ، وأن الحديد لان لداود ، وسبح معه الطير والجبال ، وأن سليمان استخدم الجان ، وعرف لغة الطيور والنمل . إن هذه الخوارق محال بحسب العادة ، جائزة في نظر العقل ، ولو كانت محالا في نفسها لامتنع وقوعها للأنبياء وغير الأنبياء ، فكذلك بقاء المهدي حيا ألف سنة أو ألوف السنين واختفاؤه عن الأنظار - كما يقول الإمامية - بعيد عادة ، جائز عقلا ، واقع دينا بشهادة الأحاديث الثابتة عن رسول اللّه ( ص ) . فمن أنكر إمكان وجود المهدي محتجا بأنه محال في نظر العقل يلزمه أن ينكر هذه الخوارق التي ذكرها القرآن ، وآمن بها كل مسلم ، ومن اعترف بها يلزمه الاعتراف بإمكان وجود المهدي ، والتفكيك تحكم وعناد . إذ لا فرق في نظر العقل بين بقاء المهدي حيا ألوف السنين ، وهذه الخوارق من حيث الإمكان وجواز الوقوع ، ما دام الجميع من نسخ واحد .