محمد جواد مغنيه

177

الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة

وأما حكم بني العباس فهو أسوأ من حكم الأمويين بكثير . أين هؤلاء جميعا من حكم الرسول الأعظم ( ص ) ؟ أين هؤلاء من سيرة وأخلاق أهل البيت ! وأين هؤلاء من حكم الخلفاء الراشدين ؟ من حكم عمر وعلي ؟ إن دولة الإسلام وتعاليم الإسلام شيء ، ودولة أمية وبني العباس دولتا البغي والظلم والفساد شيء آخر . فقد ظهرت آثار هذه المحن في العقيدة ، والسياسة ، والأدب ، والتقاليد ، وما زالت تفعل فعلها إلى اليوم . ولم يتح لمحن آل البيت ، فيما أعلم ، من درسها درسا موضوعيا ، ولا يمكن شرحها وبيان أسبابها ونتائجها في مقامنا هذا . وعلى أي الأحوال ، فإن محن آل البيت وهي محن ابتدأت منذ تغيّر نظام الحكم عند المسلمين . كان الحكم في عهد الرسول الأعظم يقوم على مبدأ أن كل شيء للّه ، فالمال مال اللّه ، والجند جند اللّه ، ومعنى هذا أن الناس جميعا متساوون في الحقوق ، لأن اللّه ، للجميع وبعده بأمد قصير تغير هذا النظام ، وأصبح كل شيء للحاكم . فالمال مال الحاكم ، والجند جند الحاكم ، والناس كلهم عبيد الحاكم . قال معاوية بن أبي سفيان : « الأرض للّه ، وأنا خليفة اللّه . فما أخذت فلي ، وما تركته للناس فبالفضل مني » . وعلى هذا المبدأ ، وهب مصر لعمرو بن العاص مكافأة له على جهاده وبلائه ضد الإمام علي . وكان جند يزيد في وقعة الحرة يجبرون الناس على أن يبايعوا يزيد ، على أنهم عبيد قنّ له ، وينقشون أكف المبايعين علامة الاسترقاق ، ومن أبى عن هذه البيعة ضربت عنقه . من هذا النظام اللاإسلاميّ وحده تولّدت محن آل البيت وغير آل البيت ، وإن كان نصيبهم منها أكبر وأفظع . ولا بد من التساؤل : لما ذا ذعر الناس لمحن آل البيت وتحدّثوا فيها وأطالوا الحديث أكثر من غيرها ؟ ويمكننا الجواب بأن محنهم كانت أقسى المحن جميعا ، وبأنها في نظر المسلمين هي محنة الإسلام نفسه . فقد أوصى الرسول وبالغ في الوصاية بأهل بيته ، وساواهم بكتاب اللّه ، وشبّههم بسفينة نوح ،