ملا محمد مهدي النراقي

47

جامع الأفكار وناقد الأنظار

بالفعل ؛ وهو المطلوب . وقد ظهر ممّا ذكرناه انّ حضور الشيء عند المجرّد القائم بذاته بمعنى عدم غيبته عنه وان لم يكن عين التعقّل - كما هو صريح كلام بهمنيار - ، إلّا انّه مستلزم له ، نظرا إلى انّ كون الشيء مجرّدا قائما بذاته من شأنه العاقلية - وحضور شيء آخر عنده جزء أخير للعلّة التامّة لحصول التعقّل بالفعل - ، فيترتّب عليه التعقّل والانكشاف . فالفرق بين كلام بهمنيار وبين ما ذكرناه انّما هو بالعينية والاستلزام ، والباعث لذهابهم إلى الاستلزام دون العينية هو ما عرفت من ورود المنع على العينية وظهور المغايرة بين حضور الشيء - بمعنى عدم الغيبة عند المجرّد - وبين انكشافه له . وأمّا استلزامه له فلا منع فيه بعد قيام الدلالة عليه - كما عرفته مفصّلا - . وبما ذكرناه يظهر لك انّ حقيقة العلم والتعقّل هو الوجود الانكشافي لموجود قائم بذاته ؛ ولو شئت قلت : الحضور الانكشافي لموجود مستقلّ في الوجود ، فهو نوع خاصّ من الوجود الرابطي لموجود قائم بذاته ، وليس هو مطلق وجود شيء لموجود قائم بذاته أو مطلق حضور شيء له في نفسه لمطلق الوجود الرابطي لموجود قائم بذاته - كما هو الظاهر / 116 DA / من كلام جماعة - . فان قلت : حاصل ما ذكرت في دليل الاستلزام انّ المادي لمّا لم يمكن أن يتعقّل الصورة العقلية الكلّية بارتسامها في ذاته - لايجابه انقسامها ومادّيتها - فوجب أن يكون مدركها هو المجرّد القائم بذاته ، وبذلك يثبت أنّ المادّية مانعة عن التعقّل بادراك الصورة ، فلا يكون المادّي مدركا للشيء بتجريد الصورة وانتقاشها في ذاته ، فالمصحّح لادراك الصورة بالتجريد هو التجرّد وليس مجرّد التجرّد علّة مستقلّة لحصول ادراك الصورة العقلية المجرّدة بالفعل ، والّا لكان كلّ مجرّد مدركا لجميع الصور الكلّية للأشياء ، وليس كذلك ؛ بل هو المصحّح له ومن شأنه ادراكها . وانّما يتوقّف الحصول بالفعل على شرط آخر - وهو أن تحصل تلك الصور في بعض آلات المجرّد وقواه - ثمّ هذا المجرّد يدركها امّا بالمشاهدة الحضورية - كما تشاهد تلك الآلات نظرا إلى الارتباط الّذي بينهما من غير / 121 MA / أن يجرّد تلك الصورة ويقشرها ويأخذ حقائقها الكلّية وصفوها الخالص الّذي هو حاقّ كنهها ، وهو العلم الحضوري - ، أو يجرّدها عن الأغشية واللبوس ويأخذ