ملا محمد مهدي النراقي

38

جامع الأفكار وناقد الأنظار

وكذا يظهر ضعف ما ذكره بعد ذلك بقوله : « وقد عرفت انّ الموجود المجرّد عن المادّة هو غير محتجب عن ذاته ، فنفس وجوده إذا معقوليته لذاته وعقليته لذاته ، فوجوده إذا عقل ومعقول » . وبيان ذلك : / 113 DB / انّك قد عرفت انّ المعقول هو المجرّد عن المادّة وعلائقها ، ثمّ ليس ينعكس الموجبة الكلّية موجبة كلّية حتّى يكون « كلّ ما يكون مجرّدا عن المادّة فهو معقول » . لكن المجرّد عن المادّة امّا يصحّ أن يعقل أو لا يصحّ ان يعقل ، ومحال أن لا يصحّ أن يعقل ، فانّ كلّ موجود يمكن أن يعقل ؛ فاذن انّما يصح ان يعقل امّا بأن لا يتغيّر فيه شيء حتّى يصير معقولا بالفعل أو بأن يتغيّر فيه شيء حتّى يصير معقولا ، كالحال في المعقولات بالقوّة الّتي تحتاج إلى مجرّد يجرّدها عن المادّة حتّى يصير معقولا . لكن هذا الحكم لا يصحّ في المجرّد بالفعل ، فانّ المجرّد بالفعل لا يحتاج إلى أن يتغير فيه شيء حتّى يصير معقولا بالفعل ، فهو اذن معقول بالفعل ، فهو عاقل لذاته ، فانّه ان لم يكن عاقلا لذاته لكان معقولا بالقوّة وقد فرضناه معقولا بالفعل ؛ هذا خلف ! ؛ انتهى . ووجه الضعف انّ ما تقدم منه لم يعلم منه انّ كلّ موجود مجرّد عن المادّة هو غير محتجب عن ذاته ، فانّ خلاصة كلامه السابق : انّ المجرّد الّذي هو قائم بذاته يكون ذاته حاضرا لذاته والعلم هو حضور الذات للذات ، فيكون المجرّد عالما بذاته والموجود الّذي يكون قائما بالغير لا يكون حاضرا عند ذاته ، بل يكون حاضرا للغير ، فيكون محتاجا عن ذاته وغير محتجب عن الغير الّذي هو قائم به وحاضر لديه وان كان مجرّدا . فلهذا لا يكون الصور المعقولة مع تجرّدها معلومة لذاتها ، بل لغيرها - أعني : النفس - فقد أشرنا إلى أنّ مجرّد الحضور بمعنى عدم الغيبة لا يستلزم العلم - لجواز اشتراطه بشيء آخر - وإلى انّه لم لا يجوز أن يكون القائم بالغير عالما بذاته أيضا - لحضور ذاته لذاته - وإن كان حاضرا عند غيره أيضا ؟ . ولو سلّم ذلك لم يكن مستلزما لكون نفس وجود هذه عين معقوليته لذاته وعاقليته لذاته حتّى يلزم منه كون وجوده عقلا وعاقلا ومعقولا ؛ وبالجملة ما دعاه إلى الحكم بكون نفس وجود المجرّد معقوليته لذاته هو كونه حضور مجرّد موجود بالفعل عند مجرّد آخر ، وما دعاه إلى الحكم بكونه عاقليته لذاته كونه كون مجرّد حضر عنده مجرّد آخر . فباعتبارين مختلفين تجتمع المعقولية والعاقلية لا باعتبار واحد -