ملا محمد مهدي النراقي

5

جامع الأفكار وناقد الأنظار

يعلم أفعاله يعلم ذاته ، إذ من يعلم افعاله يمكن ان يعلم انّه يعلم افعاله - . . . إلى آخره - . انتهى كلام بعض المحقّقين . وقال الفاضل المذكور : لا يخفى ما فيه ! . ولعلّ ما فيه هو : انّ علم الشيء بذاته الّذي هو عبارة عن حضور ذاته لا يتحقّق بدون التفاته إلى الذات ، وبدون ذلك لا يتحقّق حضور الذات للذات . والتفات الشيء إلى ذاته ليس لازما ، فيمكن أن يكون الالتفات ممكنا ولم يتحقّق بالفعل ، فامكان الحضور لا يستلزم الحضور بالفعل . فهذا الايراد منه قريب من ايراده السابق - أعني : ما ذكره من : انّا كثيرا ما نعلم شيئا ونغفل عن كوننا عالمين به - . وأنت تعلم انّ عدم الالتفات إلى الذات مع كونه ممكنا والغفلة مع العلم بكون أفعاله أفعالا له فينا لا يمكن أن يكون دائميا ، لانّ الغفلة عن الشيء انّما يتحقق إذا كان هذا الشيء موجودا في خزانة القوّة المدركة ولكنها لا يلتفت إليه ؛ ولذا استدلوا بالفرق بين « الذهول » و « النسيان » في المعقولات على تحقّق الخزانة للنفس ، وبالفرق بينهما في الصور الجزئية على تحقّق الخزانة للحسّ المشترك - وهو « الخيال » - ، وبالفرق بينهما في المعاني الجزئية على تحقّق الخزانة للواهمة - وهي « الحافظة » - . ولا ريب انّ الشيء إذا كان موجودا في الخزانة لا يمكن أن ينعدم الالتفات إليه بالكلّية ، بل إذا حصل عائق ينعدم الالتفات فيحصل الغفلة وإذا زال العائق فيحصل التذكّر ، ولو لم يحصل التذكّر أصلا لم يكن موجودا في الخزانة وكان نسيانا . وإذا عرفت ذلك فنقول : الغفلة وعدم الالتفات انّما يتحقّقان في حقّ غافل كان لتعقّله خزانة ، ومن لم يكن لتعقّله خزانة ولا يحتاج في التعقّل إلى شيء سوى ذاته لا يتحقّق في حقّه الغفلة وعدم الالتفات ؛ فالواجب - تعالى - لمّا كان متعقّلا لأفعاله - كما هو الفرض - فامّا يعلم انّه افعاله أو لا ؛ فعلى الأوّل يثبت المطلوب - أي : تحقّق العلم بذاته - ، وعلى الثاني : فامّا ان لا يعلم انّه افعاله مطلقا ، أو يعلم ذلك في بعض الأوقات ويغفل عنه في بعض ، فعلى الثاني يلزم أن يكون لتعقّله خزانة - وهو باطل ، للزوم الافتقار - ؛ والأوّل بديهي البطلان - لأنّه يستحيل أن يعلم أحد أفعاله ولا يعلم قطّ انّه