ملا محمد مهدي النراقي
41
جامع الأفكار وناقد الأنظار
قديم لكان دائم الافتقار إلى المؤثّر مع دوام وجوده . فالممكن في حدّ ذاته فقر محض وعدم صرف . وانّما يصير موجودا واجبا بالغير ، كما قال كبير الفلاسفة : « الممكن في حدّ ذاته ليس ولعلته أيس » . ولا ريب في انّ الوجوب بالغير لا يخرجه عن الافتقار الذاتي لانّ ما بالذات لا يزول وما يقتضيه الذات مقدّم على ما يقتضيه الغير ، فسلب الاحتياج عن الممكن - حادثا كان أو قديما - محال . قال الشيخ في المبدأ والمعاد ما حاصله : « انّه لا يجوز ان يكون الحادث ثابت الوجود بذاته من دون افتقار إلى العلّة ، لانّا نعلم بالضرورة انّه لم يجب ثبوته ووجوده لذات الممكن ومهيته ، فيمتنع أن يصير واجبا بالحدوث الّذي ليس واجبا لذاته ولا ثابتا لذاته ، فالحقّ - جلّ وعزّ - قيوم الكلّ كما هو موجد الكلّ » . ثمّ لا يخفى انّ من قال علّة الاحتياج إلى المؤثّر هو الحدوث وحده أو الامكان مع الحدوث - شطرا أو شرطا - يلزمه أن يكون الممكن حال بقائه مستغنيا عن المؤثّر ، إذ لا حدوث حال البقاء فلا احتياج ، وقد التزمه جماعة منهم ؛ كما قال اليهود : « انّ الممكنات تفتقر إلى المؤثّر في اخراجها من العدم إلى الوجود وبعد اخراجه منه إليه لا تبقى لها حاجة إليه حتى لو جاز العدم على المؤثّر - تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ! - لما ضرّ العالم » . وتمسّكوا في ذلك ببقاء البناء بعد فناء البنّاء « 1 » ، ولم يعلموا انّ الكلام / 10 DA / في العلّة الموجدة ، وليس البنّاء موجدا للبناء وانّما هو علّة لحركات الآلات واللبنات والأخشاب بحركة يده ، وتلك الحركات علل عرضية معدّة لأوضاع مخصوصة بين تلك الآلات والأخشاب وتلك الأوضاع مفاضة من علل فاعلية غير تلك الحركات المستندة إلى حركة البنّاء « 2 » . فان قيل : تأثير المؤثّر في الباقي محال ، لانّه إن أفاد الوجود الّذي كان حاصلا فيلزم تحصيل الحاصل ؛ وإن أفاد / 10 MA / امرا آخرا متجدّدا لم يكن التأثير في الباقي ،
--> ( 1 ) - راجع : الشرح الجديد ص 70 . التحصيل ص 526 . ( 2 ) - راجع : شوارق الالهام ص 139 ، نقلا عن المحقّق الشريف .