ملا محمد مهدي النراقي

34

جامع الأفكار وناقد الأنظار

الحكماء فانّه ممكن ، بمعنى انّ كلّا من الوجود والعدم جائز له بالنظر إلى ذاته مع انّه يمتنع أن يصير تارة موجودا وتارة معدوما ، لأنّه لا يجوز عدمه بعد وجوده ولا وجوده بعد عدمه . فانّ يوم السبت من شهر كذا من سنة كذا مثلا إذا صار موجودا لا يعدم بعد ذلك ابدا ، بل يكون موجودا خارجيا / 8 MB / دائما - كما هو رأي الفلاسفة - ، وإن لم يكن موجودا في اليوم الأحد الّذي بعده ؛ يعنى ليس الأحد ظرفا لوجوده بل يصدق عدمه فيه ولا يجوز وجوده بعد صدق ذلك العدم . والحاصل انّ كلّ جزء من الزمان محدود بين جزءين آخرين يتعيّن وجود بينهما البتّة ، ولا يجوز عدم تحقّقه فيه ولا وجوده قبل وبعد ؛ فلا معنى لفرض وقوعه تارة وعدم وقوعه أخرى . فالمحال الّذي هو ترجّح أحد المتساويين من غير مرجّح انّما لزم / 8 DB / من فرض وقوع الممكن تارة وعدم وقوعه أخرى . وهذا الفرض لمّا لم يكن من لوازم الامكان فالمحال المترتّب عليه أيضا ليس بلازم . فحينئذ يجوز ان يكون بعض الممكنات بحيث يكون كلّ واحد من الوجود والعدم جائزا بالنظر إلى ذاته ، ويكون الوجود أولى له بالنظر إلى ذاته وكان وقوع عدمه ممتنعا . وقد أجاب عنه بعضهم : بأنّا نفرض وجوده مع الأولوية تارة وعدمه معها أخرى في جميع الأزمنة ولا نفرض وجوده في زمان واحد وعدمه في زمان واحد آخر حتّى يلزم فرض وقوعه تارة وعدمه أخرى ، ولا استحالة في الفرضين - اي : فرض كلّ من الوجود والعدم في جميع الأزمنة - لعدم الانتهاء إلى حدّ الوجوب . وأنت تعلم انّ هذا الجواب في غاية الضعف ؛ لانّ الفرضين ليسا حينئذ متساويين ، لانّ الأولوية مرجّحة للوجود وغير مرجّحة للعدم ، فكيف يسلّم الخصم امكان فرض العدم في جميع الأزمنة ومساواته لفرض الوجود فيه ؟ ! . وقيل في الجواب : انّ هذا الحكم إذا ثبت في بعض الممكنات الّتي يجوز وجودها تارة وعدمها أخرى ثبت في جميعها ، إذ العقل لا يفرق بين ممكن وممكن في هذا الحكم . وردّ : بانّ هذه الدعوى ممنوعة ، لانّ التساوي ليس بيّنا ولا مبيّنا .