ملا محمد مهدي النراقي
24
جامع الأفكار وناقد الأنظار
فساده ، لانّه لا معنى لتقدّم الماهية الموجودة على إفادة الوجود لها . ولقد أطلنا الكلام في هذا المرام لأنه من مزالّ الاقدام وقد بقي بعد خبايا في زوايا . ولمّا ظهر حقيقة الجعل وثبت صحّته ، لزم منه صحّة التأثير والتأثّر وبطل منه مذهب ذيمقراطيس واتباعه . ومنه ثبت توقّف وجود الممكن على علّة خارجة وعدم امكان وجوده بنفسه ؛ هذا . وامّا بطلان وجود الممكن بأولوية ذاتية فيتوقف على أن نعلم أوّلا أنّ للأولوية تفسيرين ، أحدهما : أن يقتضي الممكن رجحان أحد الطرفين لذاته اقتضاء لم يبلغ حدّ الوجوب ؛ وثانيهما : كون أحد طرفي الممكن أليق بالنسبة إلى ذاته لياقة غير بالغة حدّ الوجوب . ولا يكون ذلك الأليقية باقتضاء أصلا ، لا من حيثية الذاتية ولا من حيثية أخرى ، وللتفرقة يعبّر عن الأوّل « بالرجحان لذاته » وعن الثّاني « بالرجحان بذاته » ، على أن يكون « الباء » للمصاحبة . وعلى كلا التفسيرين يقع الطرف الراجح بمجرّد هذا الرجحان من غير احتياج إلى علّة خارجة . وبطلان الأولوية على التفسير الثّاني - أعني : كون الوجود راجحا بالنسبة إلى الممكن من دون اقتضاء واستتباع واستناد الرجحان إلى امر - بديهىّ لا يشكّ فيه عاقل ، لانّ ثبوت كلّ معنى لشيء لا بدّ له من علّة - سواء كانت ذات هذا الشيء أو غيرها - ، فثبوت الرجحان اذن لا بدّ له من علّة . فان قيل : المقصود في هذا المقام اثبات افتقار الممكن في وجوده إلى علّة موجودة ، وحينئذ لقائل أن يقول : يمكن أن يكون ثبوت الوجود للممكن غير معلّل بعلّة لكن يكون ذلك الثبوت بحيث يجوز ارتفاعه جوازا مرجوحا حتّى لا يلزم وجوبه ، والمراد برجحان وجوده في الواقع من دون اقتضاء هو هذا المعنى ، ولا بدّ لنفيه من دليل ! ؛ قلنا : الممكن لا يمكن أن يكون حقيقة عين الوجود ، فلا بدّ لثبوت الوجود له من علّة ، وهذا بديهيّ مستغن عن الدلالة . ولما كان بطلان الأولوية بالتفسير الثاني بديهيا أو قريبا من البداهة أحاله