ملا محمد مهدي النراقي
472
جامع الأفكار وناقد الأنظار
الوجود من حيث هو وجود خير - ، فلا احتياج في استناد الشرّ إلى مبدأ موجود ، لأنّ العدم يجوز أن يستند إلى عدم آخر ؛ كما انّ عدم المعلول مستند إلى عدم العلّة . فحينئذ ينهدم بنيان ما ذهب إليه الثنوية من انّ الشرّ لا بدّ له من مبدأ موجود ، لأنّ الشرّ إذا كان هو نفس العدم فلا يلزم أن يكون له مبدأ موجود ، لأنّ العدم يجوز أن يستند إلى عدم آخر كما انّ عدم المعلول مستند إلى عدم العلّة ؛ انتهى . وأنت بعد الإحاطة بما ذكرناه خبير بجلية الحال في هذا الكلام صحّة وسقما ! . ثمّ الظاهر انّ مراد كلّ من الطوائف الثلاث - أعني : المجوس والمانوية والديصانية - ليس ما هو ظاهر كلامهم من القول بتعدّد المبدأ والذهاب إلى إلهين اثنين ؛ وأمّا المجوس : فلما أشير إليه من انّهم يقولون : انّ اهرمن مخلوق ليزدان وايجاده ليس شرّا ، بل انّما الشرّ منه . فيزدان أوجد اهرمن والشرور بأسرها انّما يصدر من اهرمن . وهذا كما ترى لا يدلّ على كون اهرمن مبدأ قديما يكون وجوده منه . وأمّا المانوية والديصانية : فانّهم صرّحوا بأنّ النور - الّذي هو فاعل الخير - حيّ قادر عالم سميع ؛ ( و ) « 1 » كيف يتّصف النور في المعنى المشهور بتلك الصفات ؟ ! ؛ وكيف / 109 MA / يقول عاقل بأنّ النور والظلمة مبدءان قديمان مستقلّان بالوجود مع أنّهما عرضان محتاجان إلى الجسم ؟ ! ، فيلزم قدم الجسم وكون الإله محتاجا إليه . فالظاهر انّ غرضهم معنى آخر سوى المتعارف . أمّا المجوس فظاهر كلامهم أيضا - على ما نقلناه - لا يستلزم المخالفة لأصل التوحيد وأصل عموم القدرة ، لأنّهم يستندون الجميع إليه - تعالى - ، لكنّهم لم يجعلوا الشرور مستندة إليه - تعالى - بلا واسطة لكونه خيرا محضا ، بل أسندوها إلى اهرمن ، وقالوا : انّ ايجاد اهرمن ليس شرّا بل خير ، لأنّ اعطاء الوجود خير مطلقا وانّما صدر الشر عن اهرمن لا منه - تعالى - . وما قيل : انّ أيّ شرّ أشدّ مفسدة من ايجاد موجود يكون منبعا للشرور أبد الآباد ؛ مدفوع : بأنّه على قاعدة انّ الوجود خير مطلقا يمكن القول بانّه لا محذور في
--> ( 1 ) - لفظة ( و ) لم توجد في النسختين .