ملا محمد مهدي النراقي

470

جامع الأفكار وناقد الأنظار

فلهم أن يقولوا : ليس من الحكمة والعدالة أن يظلم ويزجر مسكين فقير ويبتلى بأنواع العذاب والبليّات لأجل انّه صلاح لغيره . مع أنّ هذا لا يناسب القدرة التامّة الكاملة ، لأنّ الفاعل حينئذ عاجز عن ايجاد نظام الكلّ بحيث لا تقع فيه تلك الشرور ، ولا يمكنه ايجاد ما يوجده إلّا بإصابة الظلم والشرور ببعض الضعفاء والمساكين . وأيّ عجز أشدّ من عدم اقتداره على ايجاد هذا النظام بدون تلك الشرور ؟ ! ؛ على أنّ بعض الموجودات الممكنة كالشيطان وغيره منبع الشرور أبد الآباد ، فليس في وجوده خيرية أصلا ! . والجواب : انّ إصابة بعض الشرور ببعض المظلومين مع قطع النظر عن كونه صلاحا / 108 MB / بالنسبة إلى نظام الكلّ إنّما هو خير وصلاح بالنسبة إلى هؤلاء الاشخاص المظلومين ، لأنّه إمّا متضمّن لخير غالب لهم عاجلا أو آجلا بالذات أو بعوض اللّه - تعالى - عنهم بما يجبر هذا الشرّ والظلم - كما هو مذهب العدلية - . ولو كان صدور الشرّ الّذي يصيب المظلومين عمّن يصدر عنه بالقدرة والاختيار لا من قبيل فعل الطبائع فالأمر أظهر . وأمّا ما ذكر من انّه لو لم يخلق النظام بحيث لا يقع فيه تلك الشرور ؛ فجوابه ما مرّ من أنّ تلك الشرور من الأعدام اللازمة لطبائع الممكنات ولا يمكن انفكاكها عنها ، ولو فرض انفكاكها عنها لزم انقلاب حقائقها ، ولو كانت وجودات محضة وخيرات صرفة خرجت عن الامكان . فعدم وقوع تلك الشرور يتوقّف على عدم صدور الممكنات رأسا ، وهو يؤدّي إلى قطع الفيض والجود رأسا ؛ ولا ريب في انّه شرّ كثير . وما ذكر من انّ بعض الموجودات منبع الشرور أبد الآباد - كالشيطان - وأيّ شرّ أشدّ مفسدة من ايجاد مثل هذا الموجود ؛ ففيه : انّه على قاعدة انّ الوجود خير مطلقا يمكن القول بأنّه لا محذور في ذلك ، إذ الصادر منه ليس إلّا الوجود وهو خير . غاية الأمر وجوب العوض عليه - تعالى - لو أصاب شرّه مظلوما - كما أشير إليه - .