ملا محمد مهدي النراقي
448
جامع الأفكار وناقد الأنظار
يجب أن تكون في فاعلها أيضا جهة القوّة ، فالاوّل - سبحانه - لتجرّده وتعاليه عن جهة القوّة لا يمكن أن يكون فاعلا قريبا مباشرا لها عند الحكماء ؟ ؛ قلنا : قد تقدّم انّ تحقّق جهة القوّة في فاعل ما فيه جهة القوّة غير لازم ؛ ولو سلّم نقول : انّ توسيط المثل وغيره ممّا يكون به جهة القوّة لا ينافي قرب الفاعل الموجد المؤثّر ، وذلك كما انّ الواحد من جميع الجهات عند الفلاسفة لا يمكن أن يصدر عنه إلّا واحد مع انّ صدور جميع الموجودات القارّة انّما هو عنه - تعالى - عند جميعهم ، وذلك بتوسيط العقول وغيرها . والتأثير والايجاد انّما هو عنه - تعالى - وتلك الوسائط كالآلات والشرائط في صدور / 98 DA / الكثرة عنه - كما نقل عنه في شرح الإشارات « 1 » وغيره - ، لا أنّها المؤثّرات القريبة وهو العلّة البعيدة - كما هو معروف عند غير المحقّقين من المتفلسفة - . نظير ذلك صدور الحركات الإرادية عن نفوسنا ، إذ تحريك النفس الناطقة المجرّدة لليد مثلا لا يمكن إلّا بانبعاث الميل الجزئي وتوسيط القوى الآلية وتحريك الأعصاب والعضلات ، وذلك لا يستلزم كون التأثير من تلك الوسائط . وكذلك ادراكها للمتوهّمات والمتخيّلات والمحسوسات لا يمكن إلّا بالآلات وهو المدرك للجميع بالحقيقة . وأمّا على طريقة المعتزلة فلأنّ كلّ شخص من حيث هو أنّه شخص إذا صدر عن غيره - سبحانه - فيمكن صدوره عنه - تعالى - أيضا بالنظر إلى ذاته ، إلّا أنّه لمّا صدر عن الغير لبعض المصالح الراجعة إلى نظام الخير صار هذا الصدور منشئا لاستحالة صدوره عن اللّه - سبحانه - ، لأنّ الشخص من حيث انّه واحد بعينه لا يمكن أن يقع في الخارج مرّتين ، فالامكان بالنظر إلى ذاته - تعالى - حاصل ، فلا يلزم نفي شمول قدرته بالمعنى المقصود للشخص بعينه . والامتناع قد حصل بالغير ، فلا يلزم صحّة توارد العلّتين على الشخص في الواقع . وإلى هذا أشار المحقّق الطوسي في مبحث القدرة من الأعراض بقوله : ولا يتّحد وقوع المقدور مع تعدّد القادر » « 2 » ؛ فانّ افحام لفظ
--> ( 1 ) - راجع : شرح الإشارات والتنبيهات ، المطبوع مع المحاكمات ، ج 3 ، ص 249 ؛ شرحي الإشارات ، ج 2 ، ص 47 . ( 2 ) - راجع : تجريد الاعتقاد ، المسألة الثالثة والعشرون من الفصل الخامس من المقصد