ملا محمد مهدي النراقي

332

جامع الأفكار وناقد الأنظار

المحصلين : كمال أوّل لما بالقوّة من جهة ما هو بالقوة ، إذ المتحرّك ما دام في أوّل المسافة ساكن فهو متحرّك بالقوّة وواصل إلى القوّة بالغاية ، فإذا تحرّك حصل له كمال وفعل أوّل وبه يتوصّل إلى كمال وفعل ثان هو الوصول إلى الغاية ، لكن ما دام له ذلك الكمال فهو بعد بالقوّة . فهي حالة ما بين صرافة القوّة ومحوضة الفعل . ولذلك لا يكون فاعلها القريب إلّا شيء فيه قوّة من جهة وفعلية من جهة ، كما أنّ موضوعها أيضا يجب أن يكون كذلك . وامّا الأمر المتّصل المعقول المتحرّك بين المبدأ والمنتهى المسمّى بالحركة بمعنى القطع فذلك لا وجود له البتة بالفعل إلّا في الذهن . هذا محصّل ما قال بهمنيار في التحصيل في فصل تحديد الحركة « 1 » . وبه يظهر معنى ما قيل : انّ البرهان الدالّ على أن لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه لا ينافي كون حركات العباد صادرة عنهم ، ويندفع ما قيل : انّه لو تمّ لدلّ على أنّ فاعل حركات العباد أيضا هو اللّه . لأنّه قد ثبت انّ مبدأ الحركة لا يلزم أن يكون بريئا من معنى ما بالقوة ، لأنّ اللازم أن لا يكون ما فيه معنى ما بالقوّة علة لوجود أمر له فعلية الوجود ، والحركة ليست ما له فعلية الوجود لكونها حالة بين صرافة القوّة ومحوضة الفعل فعليّتها لا يلزم أن يكون بريئة من معنى ما بالقوّة من جميع الجهات - كما هو معلوم من حال المتحرّك من ثبوت قوّة له ما لم يبلغ إلى المنتهى - . وكلّ فعل يصدر عن العباد نوع حركة ، فيجوز أن تكون أفعال العباد صادرة عنهم ، فما دلّ عليه البرهان من أنّه لا يجوز أن يكون علّة الوجود إلّا ما هو بريء من كلّ وجه من معنى ما بالقوة مخصوص بعلّة وجودها ، وما سوى الحركة من الجواهر والاعراض المفارقة الّتي لها فعلية الوجود ؛ انتهى . وهذا القائل ادّعى انّ ما ذكره مستفاد من كلام الشيخ الرئيس في أوّل سادسة إلهيات الشفاء حيث قال : انّا نعني بالفاعل العلّة الّتي تفيد وجودا مباينا لذاتها ، أي : لا تكون ذاتها بالقصد الأوّل محلّا لمّا يستفيد منها وجود شيء يتصوّر حتّى يكون في ذاته قوّة وجوده . وذلك لأنّ الإلهيين ليسوا يعنون بالفاعل مبدأ التحريك فقط - كما

--> ( 1 ) - راجع : التحصيل ، الفصل الثاني عشر من المقالة الثانية من الكتاب الثاني ، ص 418 .