ملا محمد مهدي النراقي

330

جامع الأفكار وناقد الأنظار

عند اللّه - تعالى - ومجرّد الاختيار المذكور مع تخيّل ما تخيله من النفع أو الضرّ باختياره بعد حصول التمكّن والتملّك له بتمكين اللّه - تعالى - وتمليكه ايّاه . فلا جبر لتمكّنه وتملّكه ولا تفويض لتمكّنه وتمليكه . وإلى ما ذكر نظر من قال : انّ الأسباب البعيدة كلّها من اللّه والقريبة من العبد ، كما اختاره المحقق الطوسي في شرح رسالة العلم حيث قال : الّذي ينظر إلى الأسباب الأوّل ويعلم أنّها ليست بقدرة الفاعل ولا بإرادته يحكم بالجبر ، وهو غير صحيح مطلقا ؛ لأنّ السبب القريب للفعل هو قدرته وارادته . والّذي ينظر إلى السبب القريب يحكم بالاختيار والتفويض ، وهو أيضا غير صحيح ؛ لأنّ الفعل لم يحصل بأسباب كلّها مقدورة ومرادة له . فالحقّ ما قال بعضهم : لا جبر ولا تفويض ولكنّه أمر بين أمرين « 1 » . وإلى هذا يشير أكثر الظواهر الواردة من الشريعة ؛ ففي نهج البلاغة قال - عليه السّلام - بعد ما سئل عن معنى « لا حول ولا قوّة إلّا باللّه » : انّا لا نملك مع اللّه شيئا ولا نملك إلّا ما ملّكنا ، فمتى ما ملكنا هو ما املك به منّا نهضنا ومتى أخذه منّا وضع تكليفه عنّا « 2 » . فمراده - عليه السّلام - : انّ حصر الحول والقوّة فيه - تعالى - باعتبار أصل التمكين والتمليك ، وإلّا فللعبد حول وقوّة بحوله وقوّته واقداره وتمكّنه ؛ فلا جبر لتملّكه ولا تفويض لتمليكه وقدرته على ما اخذ ما ملكه لكونه أملك به منه . وفي بعض الأدعية المعصومية : اللّهم أنت كلّفتني من نفسي ما أنت املك به منّي وقدرتك عليه وعلى الأغلب من قدرتي « 3 » . وفي الصحيفة السجادية : اللّهم ومن الضعف خلقتنا وعلى الوهن نشأتنا ومن ماء مهين ابتدأتنا ، فلا حول لنا إلّا بقوّتك ولا قوّة لنا إلّا بقوّتك « 4 » ؛ ويظهر منه معنى قوله - تعالى - : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ

--> ( 1 ) - راجع : رسالة شرح مسئلة العلم ، ص 45 . ( 2 ) - راجع : نهج البلاغة ، الحكمة 404 ، ص 547 ، مع اختلافات يسيرة . ( 3 ) - راجع : بحار الأنوار ، ج 98 ، ص 50 . ( 4 ) - راجع : الصحيفة السجادية ، الدعاء التاسع ، الفقرة 5 ، ص 87 ، مع اختلافات يسيرة .