ملا محمد مهدي النراقي
318
جامع الأفكار وناقد الأنظار
تأثير العباد في أفعالهم - بمعنى الإفاضة واخراج الشيء من العدم إلى الفعل ، لأنّ هذا شأن من لا شائبة للعدم والقوّة فيه - عدم كونهم موقوفا عليهم لأفعالهم ، فوجودهم مع القدرة والاختيار من اجزاء العلّة التامة بمعنى أنّها لو لم تكن وسائط / 71 MA / لم يظهر تلك الأفعال من العدم إلى فضاء الوجود . فلتلك الأفعال اعتباران : أحدهما : من حيث كونها في السلسلة العرضية للممكنات ، وهي بهذا الاعتبار كسائر الممكنات مفاضة من مفيض الوجود ؛ وثانيهما : من حيث دخولها في السلسلة الطولية ، وهي سلسلة توقّف بعضها على بعض في نزول الوجود ووصوله إليه لعدم صلاحيّته لتغيّر هذا الوجه كما انّ صدور العرض مثلا منه - تعالى - لا يمكن إلّا بعد صدور الموضوع له منه - تعالى - . وهذا القدر من التوقّف - أي : المعتبر في السلسلة الطولية - كاف في صحّة التكليف وعدم كونهم غير مجبورين . ويشير بذلك ما روي عن بعض ائمّتنا - عليهم السّلام - انّه لا جبر ولا تفويض في افعالنا الاختيارية بل أمر بين أمرين « 1 » . وهذا لا يرجع إلى رأي الأشعري ، فانّه يقول : ليس ربط عقليّ بين ممكنين أصلا ، بل عادة اللّه جارية بأن يتحقّق افعال العباد مثلا عقيب إرادتهم ؛ وليست ارادتهم موقوفا عليها . حتّى قالوا : انّ النتيجة فائضة من المبدأ الفيّاض من غير ربط عقلي بين المقدّمات والنتيجة ، بل جرت عادة اللّه - تعالى - بفيضان النتيجة عقيب ترتيب المقدمات . وبالجملة فعل العباد عندهم انّما هو بمنزلة أن يحمل انسان شيئا وينقله بانفراده ويضع شخص آخر يده تحت هذا المحمول ، فانّه لا أثر لوضع يده في نقله ؛ فكذا الأمر في كلّ ممكن بالنسبة إلى اللّه - تعالى - . وهذا خلاف ما ذكرناه على ما استقرّ عليه رأي الحكيم مع اشتراكهما في الحكم بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه ، لأنّه يقول باللزوم والارتباط العقلي بين ممكنين ولذا قال بالوجوب العقلي وبأنّ إرادة العبد ممّا يتوقّف عليه الفعل وجزء أخير للعلّة التامّة له ، وليس بمجرّد جرى العادة . فلا يتوجّه على ذلك ما يتوجّه على الأشعري / 68 DA / من المفاسد ؛ انتهى .
--> ( 1 ) - راجع : بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 197 ، ج 5 ، صص 12 ، 22 ، 82 ، ج 71 ، ص 127 ، ج 78 ، ص 354 .