ملا محمد مهدي النراقي

241

جامع الأفكار وناقد الأنظار

تتميم ( في بيان مذهب محقّق الطوسي من أقسام الحدوث ) اعلم ! أنّ الظاهر - بل الجزم ! - انّ مختار المحقق الطوسي من أقسام الحدوث هو الحدوث الدهري ، وهو الظاهر من قوله في التجريد : « حدوث العالم بعد عدمه ينفي الايجاب « 1 » » ؛ فانّ المراد بالبعدية هو البعدية الدهرية بمعنى كون وجوده بعد العدم الصريح والليس الساذج ، فيكون المعنى : انّ وجود العالم بعد العدم الصرف والليس المحض ينفي الايجاب بمعنى عدم انفكاك العالم عن ذات الواجب ، كما قال به الفلاسفة . وليس المراد بالبعدية هي البعدية الزمانية ، لأنّ مثل هذا المحقق أجلّ شأنا وجلالة من أن يقول بتحقّق الزمان الموهوم ، كيف وقد قال في مبحث / 51 DB / حدوث الأجسام : « واختصّ الحدوث بوقته إذ لا وقت قبله » « 2 » ، وهو صريح في نفي الحدوث الزماني . إذ القائل به لا يمكنه نفي الوقت والاستمرار قبله ، لأنّه عبارة عن شقّ استمرار العدم في الوقت الغير المتناهي ؛ ولا البعدية الذاتية ، لانّه أكثر ايمانا وديانة من أن يقول بالقدم وقد قال في / 54 MB / شرح رسالة العلم : « أزليته - تعالى - اثبات سابقية له على غيره ونفي المسبوقية عنه ، ومن يفرض الزمان أو الدهر أو السرمد فقد ساوق معه غيره في الوجود » « 3 » . ولا يقال : انّ قوله هذا كما يدلّ على نفي الحدوث الزماني يدلّ على نفي الحدوث الدهري أيضا ؛ لأنّا نقول : مراده بالدهر المنفيّ هو اثبات شيء موجود خارجي يكون مسمّى بالدهر - كما يشير إليه قوله : فقد ساوق معه المحال - . ونحن أيضا لا نقول بذلك ، فانّ الدهر - على ما فسّرناه - ليس شيئا مباينا عن ذات الواجب يكون موجودا ، بل هو حدّ الشيء ومرتبته . فالمراد بالحدوث الدهري هو وجود الواجب في حاقّ مرتبته بدون العالم وغيره من الموجودات بأيّ اسم يسمّى ؛ وهذا هو مراد المحقّق . وعلى هذا

--> ( 1 ) - راجع : كشف المراد ، ص 217 . ( 2 ) - راجع : كشف المراد ، ص 129 . ( 3 ) - راجع : رسالة شرح مسئلة العلم ، ص 46 .