ملا محمد مهدي النراقي

159

جامع الأفكار وناقد الأنظار

ثمّ الظاهر من كلام بعض الأفاضل انّ المعتزلة مع اتفاقهم على الحدوث افترقوا أوّلا إلى فرقتين : فرقة قالوا بعدم زيادة الإرادة على الذات بل قالوا بعينيتها ووجوب الأصلح كالمحقّق الطوسي - رحمه اللّه - وواصل بن عطاء والنظام ؛ وفرقة قالوا بزيادة الإرادة وحدوثها كالجبائية وعبد الجبار . وهؤلاء افترقوا فرقتين : وفرقة قالوا بوجوب الصدور في وقت الحدوث ؛ وفرقة قالوا بأولويته فيه . وعلى هذا يكون النزاع بين الأشعرية وبين الفرقة الأولى من المعتزلة في حدوث الإرادة وعينيتها وفي عدم وجوب الفعل ووجوبه ؛ وبينهم وبين الفرقة الثانية في مجرّد عدم وجوب الفعل ووجوبه ؛ وبينهم وبين الفرقة الثالثة في مطلق الجواز والأولوية . وقد ظهر ممّا ذكر أنّ القدرة والايجاب يطلقان على أربعة معان : الأوّل : كون القدرة عبارة عن صدور الفعل من الفاعل بالمشيئة والإرادة والعلم ، وإن استحال انفكاكه عنه ولو بالنظر إلى الذات . والايجاب المقابل لها هو كون الذات منشئا وسببا له بلا علم وإرادة - كافعال الطبائع - ، ويقال له : الايجاب الطباعي . واتفق الحكماء والمليون على ثبوت القدرة بهذا المعنى للواجب - تعالى - ونفى الايجاب المقابل لها عنه ؛ الثّاني : كون القدرة عبارة عن امكان الصدور واللاصدور بالنظر إلى ذات الفاعل من حيث هو فاعل بالامكان الذاتي وإن وجب صدور الفعل بالنظر إلى شيء آخر من الداعي أو غيره ، / 34 MA / والايجاب المقابل لها هو امتناع الترك من الفاعل لذاته لا لأجل شيء آخر من الإرادة الداعية أو غيرها . وقد صرّح الأكثرون باتفاق الفلاسفة والمليين على ثبوت القدرة بهذا المعنى للواجب ونفي الايجاب المقابل لها عنه - تعالى - . وفيه : انّ الفلاسفة مصرّحون بامتناع ترك الصدور عن الواجب بالنظر إلى الإرادة الّتي هي عين الذات ، فعدم الصدور عندهم ممتنع بالنظر إلى الذات ، فكيف