ملا محمد مهدي النراقي

مقدمة ط

جامع الأفكار وناقد الأنظار

العلماء ، بل هو من أول شروط النبوغ في العلم ، وهو الذي يصقل النفس فيظهر جوهرها الحقيقي - فكان صاحبنا قد تشتد به الفاقة فيعجز عن تدبير ثمن السراج الذي لا يتجاوز في عصره عن أن يكون من زيت أو شمع ، فيدعوه حرصه على العلم إلى الدخول في بيوت مراحيض المدرسة ، ليطالع على سراجها ، ولكنه تأبى عزته ان يدع غيره يشعر بما هو فيه ، فيوهم الداخلين - بالتنحنح - انه جالس للحاجة الخاصة . وتتجلى في هذه الحادثة الصغيرة عزة نفسه وقوة إرادته وصبره على طلب العلم بدرجة غير اعتيادية إلا للنوابغ الأفذاذ . ( الحادثة الثانية ) - ان أحد الكسبة الذي كان حانوته في طريق المدرسة بكاشان التي كان يسكنها هذا الطالب النراقي ، ان هذا الكاسب المؤمن لاحظ على هذا الطالب انه رث الثياب ، وكان معجبا به ، إذ كان يشتري منه بعض الحاجيات كسائر الطلاب ، فرأى أن يكسيه تقربا إلى اللّه ، فهيأ له ملبوسا يليق بشأنه ، وقدمه له عندما اجتاز عليه ، فقبله بالحاح . ولكن هذا الطالب الأبي في اليوم الثاني رجع إلى رفيقه الكاسب وارجع له هذا الملبوس قائلا : اني لمّا لبسته لاحظت على نفسي ضعة لا أطيقها ، لا سيما حينما اجتاز عليك ، فلم أجد نفسي تتحمل هذا الشعور المؤلم ، وألقاه عليه ومضى معتزا بكرامته . ( الحادثة الثالثة ) - فيما ينقل عنه أيضا - وهي أهم من الأولى والثانية - انه كان لا يفض الكتب الواردة إليه ، بل يطرحها تحت فراشه مختومة ، لئلا يقرأ فيها ما يشغل باله عن طلب العلم . والصبر على هذا الامر يتطلب قوة إرادة عظيمة ليست اعتيادية لسائر البشر . ويتفق ان يقتل والده ( أبو ذر ) المقيم في نراق وطنه الأصلي ، وهو يومئذ في أصفهان ، يحضر على أستاذه الجليل المولى إسماعيل الخاجوئي ، فكتبوا إليه من هناك بالنبإ ليحضر إلى نراق ، لتصفية التركة وقسمة المواريث وشؤون أخرى ، ولكنه على عادته لم يفض هذا الكتاب ، ولم يعلم بكل ما جرى . ولما طالت المدة على من في نراق ، كتبوا له مرة أخرى ، ولكن لم يجبهم أيضا . ولما يئسوا منه كتبوا بالواقعة إلى أستاذه المذكور ليخبره بالنبإ ويحمله على المجيء . والأستاذ في دوره - على عادة الناس - خشي أن يفاجئه بالنبإ ، وعندما حضر مجلس درسه أظهر له - تمهيدا لاخباره - الحزن والكآبة ، ثم ذكر له : ان والده مجروح ، ورجح له الذهاب إلى بلاده . ولكن هذا الولد الصلب القوى الشكيمة لم تلن قناته ، ولم يزد الا أن دعا لوالده بالعافية ، طالبا من أستاذه أن يعفيه من الذهاب . وعندئذ اضطر الأستاذ إلى أن يصرح له بالواقع ، ولكن الولد أيضا لم يعبأ بالامر ، واصر على البقاء لتحصيل العلم . إلا أن الأستاذ هذه المرة لم يجد بدأ من أن يفرض عليه السفر ، فسافر امتثالا لامره المطاع ، ولم يمكث في نراق أكثر من ثلاثة أيام ، على بعد الشقة وزيادة المشقة ، ثم رجع إلى دار هجرته . وهذه الحادثة لها مغزاها العميق في فهم نفسية هذا العالم الإلهي ، وتدل على استهانته بالمال وجميع