ملا محمد مهدي النراقي

76

جامع الأفكار وناقد الأنظار

وأنّ تحقّق جميع الموجودات انّما هو باعتباره ، وادّعى بداهته وقال : انّه اظهر من الشمس عندي . فيقال حينئذ : انّ ذلك الموجود لا مبدأ له ، إذ لو كان له مبدأ لكان مبدئه / 17 MA / موجودا البتة ، فيكون إمّا عين هذا الوجود - فيلزم تقدّم الشيء على نفسه - ، أو يكون هو موجودا باعتباره - فيلزم الدور ، وبذلك يثبت وجود الواجب / 17 DA / لذاته . لأنّ الوجود الحقيقيّ الّذي لا مبدأ له - ويقال له الوجود المطلق أيضا - إن هو إلّا الواجب بالذات . وأنت تعلم إنّ هذا الاستدلال لا يلائم طريقة أهل البحث والنظر ؛ فتأمّل ! . ثمّ هذا الطريق الّتي يلاحظ فيها الموجود المطلق أو الموجود من حيث هو موجود أو الوجود الحقيقيّ حقيق بأن يكون طريقة الصدّيقين والشهداء - : الّذين يستشهدون بالحقّ لا عليه - . لانّ المراد بهم هم الإلهيون الّذين قصّروا أنظارهم على نفس الوجود وتوجّهوا بشراشرهم إلى ذات الحقّ - تعالى - وأعرضوا عمّا سواه من الموجودات ، ولا يلتفتون في مشاهداتهم إلّا إلى الوجود المطلق والإنّية الصرفة الحقّة ، ولا يرون في الوجود الحقيقيّ إلّا الوجود القائم بذاته ، ولا في الأنوار إلّا النور الغنيّ الثابت بنفسه ، وهو اللّه نور السماوات والأرض . وغيره من الموجودات والأنوار لمعات نازلة من نور ذاته ورشحات صادرة من شئوناته وتجلّياته ، فاللائق بامثالهم أن لا يتعدّوا في استدلالهم إلى غير حقيقة الوجود والموجود ، ولا يلتفتوا فيه إلى الأغيار من المهيات والأفراد ، ولا يستشهدوا على الحقّ - عزّ وجلّ - إلّا به . فان قيل : الاستشهاد بالوجود الحقيقيّ - كما نقلته عن بعض المحقّقين - مسلّم ، فانّه استشهاد بالحقّ على الحقّ . وأمّا الاستشهاد بالوجود والموجود سواء أخذا من حيث الإطلاق أو الطبيعة استشهاد بغير الحقّ عليه ، لانّ الموجود أو الوجود من حيث هو ليس عين ذاته الأقدس ؛ قلت : لمّا كان الوجود أو الموجود من حيث هو منتزعا عن حاقّ ذاته ووجها من وجوهه وهو - جلّ وعزّ - فرد منه ، فلا يكون الاستشهاد به عليه استشهادا