أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

81

التوحيد

ويوصف به في الأزل ؛ لما بيّنا من إحالة التغيّر والزوال ، ولما لو جاز الوصف بما هو حال في غيره لجاز الوصف بكل شيء من خلقه ، وذلك ممتنع ، وقد بيّنا هذا فيما تقدم ، ولا قوة إلّا باللّه . [ الحكمة في خلق الأشياء الضارة ] قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : الحكمة في خلق الحيّات والجواهر الضارة - وإن كانت العقول تقصر عن بلوغ كنه حكمة الربوبية ، على ما سبق القول في لزوم الحكمة لكل شيء من الوجه الذي خلقه اللّه ، وإن لم يعرف مائيتها - يكون من وجوه المحنة بالضار والنافع الحاضرين ، ليعلم بهما لذة الثواب على الطاعة وألم العقاب على المعصية ؛ إذ الخلق جبلوا على قصد العواقب في الأفعال ، فجعل لها مثالا من العيان لتتصوّر الموعود في الأوهام ، فيسهل به السبيل ، واللّه الموفق . والثاني : أن المحنة هي تحمّل المئونة التي تسهل ، وتصعب على البدن بالنظر والفكر ، والناس في تكلّف النظر والفكر يختلفون ؛ لأنه ليست لهما منفعة حاضرة ، وبهما الشغل عن اللذات والشهوات ، وتحمّل مثله على البدن عسير ، وفي التقصير فيهما اختلاف وتفرق ، وذلك يعقب المعاداة والمجادلة ، وفي الموافقة مولاة ومسالمة ، فجعل اللّه تعالى لهم فيما خلق لهم شبيه الأعداء بما فيها من المضار ، ومثال الأولياء بما فيها من المنافع ، ليكون بشرّهم زاجرا لهم على اعتياد كيفية معاملات الأعداء والأولياء ، حتى إذا بلغوا بمثلهم في جوهرهم عرفوا كيفيّته من الحذر والتأهب والمعونة والنصر . وعلى ذلك يؤمر الصبيان عند احتمال وسعهم العبادات والأخلاق المحمودة للاعتياد ليسهل سبيل ذلك عليهم وقت التكليف ، فمثله في خلق ما ذكر ، واللّه أعلم . وأيضا أن الخلق على اختلاف جوهرهم في المضار والمنافع جعلهم اللّه في الدلالة على مدبّر لهم حكيم عليم ، وعلى وحدانيته كجوهر واحد في الاتفاق من جهة الدلالة والشهادة ، ولا قوة إلّا باللّه . فيكون في ذلك بيان عجيب حكمته أن جمع بين الضار والنافع ، والخير والشر على تناقضهما في الدلالة على وحدانيته والشهادة بربوبيته واحدا . وأيضا إنه خلق ذلك ليذل به الجبابرة والملوك ، فيعلو بذلك ضعفهم - ولئلا يغتروا بكثرة الحواشي والجنود فيتعدوا حدود اللّه بما يرون من سلطان في قدرته تسليط من يشاء على من يشاء ، ولا قوة إلّا باللّه . وليعلم من تأمل خلقه على جوهر الضرر والنفع على غناه وتعاليه عن أن تمسه الحاجات ؛ لأن من ذلك وصفه فإنما يخرج فعله على وجوه تنفع ولا تضر ، وليعلم