أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

62

التوحيد

بالعلم بذلك الوجه حتى إذا عبّر عنه بالرؤية صرف إلى ذلك ، وما لا يعرف له الوجه بدون ذكر الرؤية لزم الوقف في مائيتها على تحقيقها ، وأما الإدراك إنما هو معنى الوقوف على حدود الشيء : ألا ترى أن الظل في التحقيق يرى لكنه لا يدرك إلا بالشمس وإلا كان مرئيا على ما يرى لوقت تسبح الشمس ، ولكن لا يدرك بالرؤية إلا بما يتبيّن له الحد ، وكذلك ضوء النهار يرى لكن حده لا يعرف بذاته ، وكذلك الظّلمة لأن طرفها لا يرى فيدرك ويحاط به ، وبالحدود يدرك الشيء وإن كان يرى لا به ؛ ولذلك ضرب المثل بالقمر : أنه لا يعرف حده ولا سعته ليوقف ويحاط به ويرى بيقين ، ولا قوة إلا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : والأصل فيه القول بذلك على قدر ما جاء ، ونفي كل معنى من معاني الخلق ، ولا يفسر ؛ لما لم يجئ في ذلك تفسير ، واللّه الموفق . ثم احتج الكعبي بأنه الإدراك ، وقد بيّنا ذلك ، ثم زعم أن العلم بالغائب إذ لم يخرج عن الوجوه التي بها يعلم ، فكذلك لا يرى إلا بالوجوه التي بها يرى من المباينة للمرئي - ولما حلّ فيه المرئي - بالمسافة والمقابلة وإيصال الهواء والصغر وعدم الصغر والبعد ، ولو جازت الرؤية بخلاف هذا لجاز العلم به . قال أبو منصور رحمه اللّه : وقد أخطأ في هذا الفصل بوجوه : أحدها أنه قدّر برؤية جوهره ، وقد علم أن غير جوهره جواهر يرون من الوجه الذي لا يقدر على الإحاطة بجوهره فضلا عن إدراك بصره نحو الملائكة والجن وغيرهم مما يروننا من حيث لا نراهم ، والجثة الصغيرة نحو البق والبعوض ونحو ذلك مما يرى لما لو توهم ذلك البصر لما احتمل الإدراك . ويرى الملك الذي يكتب جميع أفعالنا ويسمع جميع أقوالنا ، على ما إذا أردنا تقدير ذلك بما عليه جبلنا للزم إنكار ذلك كله ، وذلك عظيم . وكذلك ما ذكر من نطق الجلود والجوارح وغيرها مما لو امتحن بمثلها أمر الشاهد لوجد عظيما . وبعد ، فإنه في الشاهد يفصل بين البصر في الرؤية والتمييز على قدر تفاوتهما بما اعتراهما من الحجب مما لو قابل أحدهما حال الآخر على حالته وجده مستنكرا ، وإذا كان كذلك بطل التقدير بالذي ذكر ، واللّه الموفق . وأيضا أنه في الشاهد - بكل أسباب العلم - لا يعلم غير العرض والجسم ، ثم جاء من العلم بالغائب خارجا منه ، فمثله الرؤية ، واللّه أعلم . والثالث ما بيّنا من رؤية الظل والظلمة والنور من غير شيء من تلك الوجوه . والرابع أنه قد يجوز وجود تلك المعاني كلها مع عدم الرؤية إما بحجب أو جوهر ، فجاز تحقيق الرؤية على نفي تلك المعاني ، نحو ما أجيب القائل بالجسم عند معارضته بالفاعل والعالم أنه جسم لا كذلك ، فيجوز وجود ذلك ولا جسم ، فمثله في الرؤية .