أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

60

التوحيد

التي يستقر معها الجبل دون الآية التي لا يستقر معها ، ثبت أنه لم يرد بذلك الآية ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا محاجّة إبراهيم قومه في النجوم ، وما ذكر بالأفول والغيبة ، ولم يحاجهم بأن لا يحب ربا يرى ، ولكن حاجّهم بأن لا يحب ربّا يأفل ؛ إذ هو دليل عدم الدوام ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ [ القيامة : 22 ] ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ : القيامة 23 ] ، ثم لا يحتمل ذلك الانتظار لأوجه : أحدها أن الآخرة ليست لوقت الانتظار ، إنما هي الدنيا ، هي دار الوقوع والوجود ، إلا وقت الفزع ، وقيل : إنهم يعاينوا في أنفسهم ما له حق الوقوع . والثاني قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ [ القيامة : 22 ] ، وذلك وقوع الثواب . والثالث قوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 23 ] ، و " إلى " حرف يستعمل في النظر إلى الشيء لا في الانتظار . والرابع أن القول به يخرج مخرج البشارة تعظيم ما نالوا من النّعم ، والانتظار ليس منه ، مع ما كان الصرف عن حقيقة المفهوم قضاء على اللّه ، فيلزم القول بالنظر إلى اللّه كما قال ، على نفي جميع معاني الشبه عن اللّه سبحانه ، على مثل ما أضيف إليه من الكلام والفعل والقدرة والإرادة ، يجب الوصف به على نفي جميع معاني الشبه ، وكذلك القول بالهستيّة . فمن زعم أن اللّه تعالى لا يقدر أن يكرم أحدا بالرؤية فهو يقدّر بالرؤية التي فهمها من الخلق ، وإن كان القول بالرحمن على العرش استوى ، وغير ذلك من الآيات لا يجب دفعها بالعرض على المفهوم من الخلق ، بل يحقق ذلك على نفي الشبه ، فمثله خبر الرؤية ، واللّه الموفق . وأيضا قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] ، وجاء في غير خبر النظر إلى اللّه ، وقد يحتمل غير ذلك مما جاء فيه التفسير ، لكنه لولا أن القول بالرؤية كان أمرا ظاهرا لم يحتمل صرف ظاهر - لم يجئ فيها - إليها ويدفع به الخبر ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا ما جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في غير خبر أنه قال : « سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون » « 1 » . وسئل : هل رأيت ربك ؟ فقال : « بقلبي » « 2 » . قيل : فلم ينكر على السائل السؤال ، وقد علم السائل أن رؤية القلب هي العلم ، وأنه قد علمه ، وأنه لم يسأل عن ذلك ، وقد حذّر اللّه عز وجل المؤمنين عن السؤال عن أشياء قد كفّوا عنها بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ [ المائدة : 101 ] فكيف يحتمل أن يكون السؤال عن مثله بحيّ ، وذلك كفر في الحقيقة عند قوم ، ثم لا ينهاهم

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب فضل صلاة العصر ، حديث رقم ( 529 ) [ 1 / 203 ] ومسلم في صحيحه ، باب فضل صلاتي الصبح والعصر . . ، حديث رقم ( 633 ) [ 1 / 439 ] . ورواه غيرهما . ( 2 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .