أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
6
التوحيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه الذي كل حمد حمد به من دونه فراجع بالحقيقة إليه ، حمدا يوافي نعمه ويكافئ منّ يده ويبلغ رضاه ، ونسأله أن يصلي على من ختم به الرسالة وعلى إخوانه من المرسلين وعلى أوليائه أجمعين ، ونستعصم به من الزلل ونرغب إليه فيما يكرمنا من القول والعمل . [ وجوب معرفة الدين بالدليل والبرهان ] قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : أما بعد ، فإنا وجدنا الناس مختلفي المذاهب في النّحل في الدين ، متفقين على اختلافهم في الدين على كلمة واحدة : أن الذي هو عليه حق ، والذي عليه غيره باطل ، على اتفاق جملتهم من أن كلا منهم له سلف يقلّد ، فثبت أن التقليد ليس مما يعذر صاحبه لإصابة مثله ضده . على أنه ليس فيه سوى كثرة العدد ، اللهم إلا أن يكون لأحد ممن ينتهي القول إليه حجة عقل يعلم بها صدقه فيما يدعي ، وبرهان يقهر المنصفين على إصابته الحق ، فمن إليه مرجعه في الدين بما يوجب تحقيقه عنه فهو المحق ، وعلى كل واحد منهم معرفة الحق فيما يدين هو به ، كأن الذي دان به هو - مع أدلة صدقه وشهادة الحق له - قد حصرهم ؛ إذ منتهى حجج كل منهم ما يضطر [ إلى ] « 1 » التسليم له لو ظفر بها ، وقد ظهرت لمن ذكرت ، ولا يجوز ظهور مثلها لضده في الدين ؛ لما يتناقض حجج [ الآخرين ] « 2 » ما غلبت حججه ، وأظهر تمويه أسباب الشّبه في غيره ، ولا قوة إلا باللّه العظيم . [ يعرف الدين بالسمع والعقل ] ثم أصل ما يعرف به الدين - إذ لا بد أن يكون لهذا الخلق دين يلزمهم الاجتماع عليه وأصل يلزمهم الفزع إليه - وجهان : أحدهما السّمع والآخر العقل . أما السّمع فما لا يخلو بشر من انتحاله مذهبا يعتمد عليه ويدعو غيره إليه ، حتى شاركهم في ذلك أصحاب الشكوك والتجاهل فضلا عن الذي يقرّ بوجود الأشياء وتحقيقها . على ذلك جرت سياسة ملوك الأرض من سيرة كل منهم ما راموا تسوية أمورهم عليه وتأليف ما بين قلوب رعيتهم به ، وكذلك أمر الذين ادّعوا الرسالة
--> ( 1 ) كلمة ساقطة في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه في النص . ( 2 ) كلمة ساقطة في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه في النص .