أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
38
التوحيد
لأن من لا قدرة له يخرج الذي يكون منه مضطربا فاسدا ، ولا يملك الشيء وضده ، فثبت أن ما كان منه بقدرة كان واختيار ، وذلك أمارات الفعل الحقيقية في الشاهد الذي هو أصل للعلم بالغائب ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى ما ذكرنا من تواصل الفعل - أعني الواقع به بالفعل - وتتابعه محكما متقنا هو الدليل أنه كان فعله على العلم به ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أنه إذ خرج كل الجواهر التي لا يمتحن في مصالح الممتحنين ، وخلق كل شيء أريد به البقاء ، مع خلق ما به بقاؤه ، علم أنه كان بمن يعلم كيفية كل شيء وحاجته وما به القوام والمعاش ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن اللّه سبحانه خلق الخلق خلقا دلّ على حدثه ، وعلى أن له محدثا ، وعلى وحدانية محدثه ، فلو لا أن علم بالخلق - يعلم أنه إذا خلق على ما خلق كان فيه دليل العلم به وبخلقه - لا يحتمل أن يخرج على ذلك خلقه ، وباللّه التوفيق . وعلى ذلك مجيء الرسل بالأمر الذي لو اتبعوا وعملوا بما جاءوا به ما احتمل الخلاف ولا التفريق ولا الفساد لولا علمه أمكنة متفرقة . كذلك قول من قال : كان اللّه ولا خلق ، ثم كان الخلق بلا تكوين هو غير الخلق ، كقول من ذكر بلا غير المضاف إليه العالم ، واللّه الموفق . على أن قوله قول من نسب إلى الطبائع والأغذية أحق - إذ في ذلك إثبات أمر كان به غيرها - من قول من يجعل الخلق للّه بعد أن لم يكن بلا شيء من اللّه سوى كون الخلق ، فيكون للنّسبة منهم تحقيق ، وليس من هؤلاء تحقيق ، ولا قوة إلّا باللّه . وكذلك لا يوجد في الشاهد قادر غير ممنوع لا فعل له ، وقادر على الكلام لا كلام له ، والشاهد هو دليل الغائب ، فلزم ذلك فيه ، وباللّه التوفيق . مع ما قد يوصف الخلق بالفساد والشر والقبح والسوء ، فلو كان لذاته فعل اللّه لكان بذلك كله موصوفا مسمّى ، فيقال : مفسد شرير قبيح الفعل سيّئ العمل ، فإذا كان الوصف بهذا والتسمية كفرا ، ثبت أن الذي سمّي به ووصف هو غير هذا ، وباللّه النجاة ، على ذلك الولاد والطاعة والمعصية ، والكسب ، لو كان في الحقيقة له لسمّي به ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن اللّه تعالى إذ لم يجز منه الفعل في الأصل ثم جاز ، فإمّا أن يكون لا يجوز لنفسه ، فيجب أن يكون كذلك أبدا ، أو لغيره ، وهو الذي عنه السؤال ، وإذ ثبت أنه لا لنفسه يجوز غير فاعل ، فهو لنفسه فاعل ، واللّه الموفق . وقال بعض من يزعم أن الخلق هو فعل اللّه في الحقيقة إنه كالصلاة وهي فعل في الحقيقة . قال أبو منصور رحمه اللّه : وذلك وهم ؛ إذ ذلك اسم هو اسم لفعله في