أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

325

التوحيد

حانوتك تبيع فيه وتشتري كما قال تعالى : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ . ( وطريق المراقبة أن تنفي إنيتك ) أي ما يقول فيك أنا وهي نفسك فلا تلاحظها بخاطرك ( أولا ) أي في ابتداء شروعك في المراقبة ثم فسر الإنية فقال ( والإنية ) بتشديد النون ( عبارة عن أن تكون حقيقتك وباطنك غير ) الوجود الواحد ( الحق سبحانه وتعالى ولا ) تحتاج ( تنفي إلا هذه الإنية ) المذكورة ( وهو ) أي نفي ذلك ( معنى لا إله ) شطر الكلمة الطيبة ( ثم نثبت ) الوجود الواحد ( الحق سبحانه وتعالى في باطنك ثانيا ) أي بعد أن نفيت ما عداه ( وهو ) أي هذا الإثبات ( عين ) معنى ( إلا اللّه ) الشطر الثاني من الكلمة الطيبة ( فإن قلت إذا كان الوجود واحدا وغيره ) من جميع المخلوقات ( ليس بموجود ) أصلا ( فأي شيء تنفي ) والأشياء كلها منفية ( وأي شيء نثبت ) والوجود الحق ثابت لا محالة ( قلت ) إنما تنفي ( وهم الغيرية ) الذي اعتادت على ملاحظته نفوس البشر وألفت خطوره فيها ( و ) وهم ( الاثنينية ) أي اعتقاد الاثنين في نفسه مع ربه وفي نفسه مع غيره وذلك أمر ( نشأ ) أي ظهر ( للخلق ) أي المخلوقات وليس هو مطابقا لنفس الأمر ( وهذا الوهم ) المذكور ( باطل ) لا حقيقة له ( فعليك ) أي يلزمك شرعا وعقلا ( أن تنفي ) عنك ( هذا الوهم ) المذكور ( أولا ) أي في ابتداء شروعك في المراقبة المذكورة ( ثم تثبت ) الوجود الواحد ( الحق سبحانه وتعالى في باطنك ثانيا ) أي بعد ذلك فإن التحلية إنما تكون بعد التخلية قال تعالى ( فإذا فرغت ) أي عن جميع الأكوان حتى عن نفسك ( فانصب ) أي فاتعب بالمجاهدة الشرعية ( وإلى ربك فارغب ) فتحقق وجوده الحق ولا موجود سواه . فصل ( أيها الطالب ) لمعرفة الوجود الحق سبحانه ( إذا غلب عليك الحال ) باستغراقك في شهود الوجود الواحد الحق وعدم إمكانك أن تنضبط في الاسترسال معه ( بفضل اللّه تعالى ) عليك ومحض منته لأن ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم ( فلا تقدر على نفي إنيتك الوهمية ) التي سبق ذكرها قريبا لأنك تبقى تحت حكم الوارد الحق وهي حالة أهل الجذب الإلهي ( بل لم يبق فيك إلا إثبات ) الوجود ( الحق سبحانه وتعالى ) في بصيرتك وبصرك وهذه الحالة هي بداية أحوال السالكين إذا أشرفوا على مقامات الواصلين ، ثم يرقى بهم الحال في منازل القرب إلى ما يعجز عنه المقال ( رزقنا اللّه وإياكم هذا المقام بحرمة النبي عليه الصلاة والسلام ) والطريق لسان صدق ، والإنسان الكامل على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ، وهذا آخر ما كتبناه بالاختصار تبصرة لأولي الأبصار ، نفع اللّه تعالى طالبيه بما تضمنه من علومه ، ونفع بشرحنا هذا الذي علمناه من فيض فضله العميم كل من تدبره بمفهومه . ( تم بحمد اللّه )