أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

306

التوحيد

صفة منها كما صرح به المحقق الشريف في حاشيته التجريد في مبحث زيادة الوجود على الماهية . وبعد تمهيد المقدمتين نقول : الممكن ممتنع الوجود إذ لو وجد لكان وجوده عارضا لحقيقته كما هو مقتضى المقدمة الأولى ، وعروض الوجود له متفرع على وجوده أولا بحكم المقدمة الثانية . فهذا الوجود السابق إما أن يكون عين اللاحق أو غيره ، والأول بديهي الاستحالة ضرورة استحالة تقدم الشيء على نفسه ، والثاني أيضا مستحيل لأنا نحول الكلام المذكور إلى الوجود السابق ، فإما أن تدور الوجودات أو تتسلسل إلى غير النهاية ، وبطلان الدور مبين في موضعه والتسلسل فيها أيضا باطل ، وبسط الكلام في ذلك ، فإذا كان الممكن ممتنع الوجود فالوجود للواجب تعالى خاصة وهو واحد ، فالوجود واحد ويؤيده ما ذكره علي القوشجي في شرحه على متن التجريد نقلا عن صاحب المواقف ، قال في قولهم إن الماهيات الممكنة غير مجعولة : والصواب أن يقال معنى قولهم ليست مجعولة أنها في أنفسها ليست مجعولة بل هي مجعولة باعتبار وجوداتها ، فإنك إذا لاحظت ماهية السواد ولم تلاحظ معها مفهوما سواها لم يعقل هناك جعل إذ لا مغايرة بين الماهية ونفسها حتى يتصور توسط جعل بينهما ، فتكون إحداهما مجعولة والأخرى مجعولا إليها وكذا لا يتصور تأثير الفاعل في الوجود بمعنى جعل الوجود وجودا بل تأثيره في الماهية باعتبار الوجود بمعنى أنه يجعلها متصفة بالوجود لا بمعنى جعل اتصافها موجودا محققا في الخارج ، فإن الصباغ إذا صبغ ثوبا فإنه لا يجعل الثوب ثوبا ولا الصبغ صبغا بل يجعل الثوب متصفا بالصبغ في الخارج ، وإن لم يجعل اتصافه به موجودا فليست الماهيات في أنفسها مجعولة ، ولا وجوداتها أيضا في أنفسها مجعولة ، بل الماهيات في كونها موجودة مجعولة ، وهذا مما لا ينبغي أن ينازع فيه ، ولا منافاة بين نفي المجعولية عن الماهيات بالمعنى الذي ذكرنا أولا ، وبين إثباتها لها لما بينا آنفا من أنه الحق الذي لا يتوهم بطلانه ، فالقول بنفي المجعولية مطلقا وبإثباتها مطلقا كلاهما صحيح إذا حملا على ما صورناه ، ومن ذهب إلى أن المركبات مجعولة دون البسائط فإن أرادوا بالمجعولية أحد المعنيين المذكورين فالفرق باطل لأن المجعولية بمعنى جعل تلك الماهية منفية عنهما معا وبمعنى جعل الماهية موجودة ثابتة لهما معا ، وإن أرادوا كما هو الظاهر من كلامهم أن ماهية المركب في حد ذاتها مع قطع النظر عن وجودها محتاجة إلى ضم بعض أجزائها إلى بعض ، وبهذا الاعتبار لها حاجة إلى جاعل يحققها في نفسها بضم أجزائها إلى بعض ، وهذا الاحتياج الذاتي لا يتصور في البسيط ، فهو والمركب متشاركان في ثبوت المجعولية بحسب الوجود ، ونفي المجعولية بحسب الماهية ، وهما متمايزان بأن المركب مجعول في حد ذاته مع قطع النظر عن وجوده دون البسيط كان هذا أيضا حقا بلا ريبة ، ونقول حينئذ إن قولهم الإمكان يعرض للبسيط لم يريدوا به إمكانه بالقياس