أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
304
التوحيد
للعالم به ( والنخلة مع أغصانها وتوابعها ) من العراجين والتمر والسعف مندرج جميع ذلك ( في النواة الواحدة ) غير متميز ذلك في نفسه وهو في تلك النواة وإنما المميز له علم العالم به للعالم به لا غير . ( وأما الكمال الأسمائي ) أي المنسوب إلى أسماء اللّه تعالى ( فهو عبارة عن ظهوره تعالى على نفسه ) أي انكشافه عليها ومعاينته لها ( و ) عبارة أيضا عن ( شهوده ذاته ) العلية ( في التعينات ) التي هي المخلوقات ( الخارجية ) عن حضرته أي المتميزة بأعيانها في ظهور وجوده الحق المطلق ( أعني ) بتلك التعينات المذكورة ( العالم ) بفتح اللام ( وما فيه ) من جميع المخلوقات ( وهذا الشهود ) المذكور ( يكون شهودا عيانيا ) أي منسوبا إلى العيان وهو المعاينة ( عينيا ) أي منسوبا إلى العين يعني واقعا على عين الشيء ( وجوديا ) أي منسوبا إلى وجود الشيء أي واقعا على شيء موجود ( كشهود المجمل ) من الأشياء ( في ) الشيء ( المفصل و ) شهود ( الواحد في ) العدد ( الكثير و ) شهود ( النواة في النخلة وتوابعها ) أي النخلة ، فإن المجمل ظاهر في كل فرد من أفراد تفاصيله ، وكذلك الواحد ظاهر في كل رتبة من مراتب الأعداد من الثاني إلى ما لا نهاية له ، وكذلك النواة ظاهرة في كل جزء من أجزاء النخلة إذا اعتبرت النخلة ظاهرة من النواة ، ولهذا تظهر النواة أيضا متعددة في تمر تلك النخلة . ( وهذا الكمال الأسمائي ) المذكور ( من حيث التحقق ) أي الثبوت للذات الإلهية ( والظهور ) في عالم الإمكان ( موقوف على وجود العالم ) بفتح اللام ( وما فيه ) من جميع المخلوقات ومعنى وجوده نسبة الوجود إليه وإلى ما فيه ( لأن معناه ) أي معنى الكمال الأسمائي ( السابق ) أي المذكور قريبا وهو قوله فهو عبارة عن ظهوره على نفسه وشهوده ذاته في التعينات الخارجية ( لا يحصل إلا بظهور العالم ) أي المخلوقات ( على وجه التفصيل ) في ظهور كل فرد منه بجميع أحواله من أوله إلى آخره ، ولأن الاعتبارات الإلهية للذات العلية التي هي الصفات السنية كالقدرة والإرادة والعلم والحياة والأسماء الإلهية كالقادر والقدير والمريد والعالم والعليم والعلام والحي ونحو ذلك لا يتحقق للذات العلية ولا تظهر الذات العلية إلا بآثار ذلك من المخلوقات التي هي العوالم ، كالمقدورات المرتبطة بصفة القدرة واسم القادر والقدير ، والمرادات المرتبطة بصفة الإرادة واسم المريد ، والمعلومات المرتبطة بصفة العلم واسم العالم والعليم والعلام ، إلى غير ذلك من بقية الصفات والأسماء الإلهية المرتبطة بآثارها من أنواع العوالم ، ولا تتحقق آثارها من أنواع العوالم ولا تظهر أصلا إلا بتلك الصفات والأسماء ، فالاعتبارات الإلهية مرتبطة بالاعتبارات الكونية وبالعكس من هذا ، فظهرت الاعتبارات الكونية التي هي العوالم المختلفة وتحققت كذلك في أنفسها ، وهذا الظهور والتحقق في الطرفين إنما هو بالوجود الذاتي الإلهي ، وهو الكمال الذاتي المذكور فيما تقدم واللّه أعلم وأحكم .