أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
299
التوحيد
الأعيان القديمة التي هي ذاته وصفاته وأسماؤه وأحكامه وجميع الأعيان الحادثة وهي المخلوقات كلها ، ثم يعتبر تفاصيل تلك الأعيان القديمة والحادثة من حيث انكشافها له تعالى وهي حضرة الواحدية ، وهذا الترتيب في نظر العقل بسبب فهمه للوارد في الشرع من قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فهو ضمير الغائب وهو ضمير الشأن الغائب عن الحس والعقل ، وأحد خبر لاسم اللّه الجامع لجميع الأسماء المتصف بتفاصيل الأعيان المذكورة ، وضمير الشأن كناية عن حضرة الوحدة المطلقة وهي حضرة الإجمال العلمي ، فكأنه تعالى قال : هو ، يعني مجمل الأمر وخلاصة الشأن اللّه أي الواحد الظاهر الباطن في كل ظاهر وباطن ، أحد يعني هو غيب الغيب لا يتعين بعبارة ولا يتقيد بإشارة ، وهي المراتب الثلاث القديمة المرتبة عقلا وشرعا ومعرفة وطبعا ( لا ) أن ذلك التقديم والتأخير ( زماني ) أي منسوب إلى الزمان لأنه يستحيل عليه تعالى أن يتقيد بالزمان فالترتيب المعقول ترتيب في العقول وذلك باعتبار الأفهام والتقديم والتأخير فيه وصف الأوهام لا حقيقة الأمر الخارج عن مدارك الأنام وكون المرتبة الثانية هي الحقيقة المحمدية ، والمرتبة الثالثة هي الحقيقة الإنسانية ليس بمانع من قدمهما وحدوث الحقيقتين المذكورتين فإن حدوثهما باعتبار ظهورهما بالوجود الحق ، لا باعتبارهما في أنفسهما فإن اعتبارهما في أنفسهما يقتضي لهما القدم ، لا الحدوث كسائر الأشياء المخلوقات . ( والمرتبة الرابعة ) من المراتب السبعة ( مرتبة الأرواح ) المتوجهة على تدبير الأشباح كتوجه الشمس بأشعتها على ما أشرقت عليه من العناصر الأربعة وما تولد منها من الجماد والنبات والحيوان والإنسان ، فالروح واحد والأرواح المنفوخة منه بعدد الأشباح التي تقابله بحسب استعداداتها ( وهي ) أي الأرواح ( عبارة عن الأشياء ) أي المشيوآت بمشيئة الحق تعالى ( الكونية ) أي المنسوبة إلى الكون صادرة عن الأمر الإلهي بلا واسطة قال تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ( المجردة ) عن التعلقات الطبيعية ( البسيطة ) أي التي لا تركيب فيها فلا تتميز إلا بما تحمله من المعارف والإدراكات كشعاع الشمس لا يتميز إلّا بما أشرق عليه من صور الأجسام ونفذ فيه من الطاقات والخروق والأبواب ونحو ذلك . فالروح واحد وهو أرواح كثيرة بعدد ما هو مدبر له ومشرق عليه من الأجسام كما أن الشمس واحدة وهي شموس كثيرة بعد ما أشرقت عليه مما ذكرنا ولهذا ورد في القرآن أفراد الروح لا غير في قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وقوله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وإذا اعتبرت الروح مع الأجسام تعددت كما ورد في الحديث : « خلقت الأرواح قبل الأجسام بألفي