أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
280
التوحيد
مسألة في حكم [ الاستثناء في الإيمان ] قال الفقيه رحمه اللّه : الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتّسمّي به بالإطلاق وترك الاستثناء فيه ؛ لأن كل معنى مما باجتماع وجوده تمام الإيمان عنده مما إذا استثنى فيه لم يصح ذلك المعنى ، فعلى ذلك أمره في الجملة ، نحو أن يقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه إن شاء اللّه ، أو محمد رسول اللّه إن شاء اللّه ، وكذلك الشهادة بالبعث والملائكة والرسل والكتب ، وباللّه العصمة . وأيضا أن حرف الثّنيا إذا ألحق بالقول منع مضيه على ما تفوّه به لولا هو من الإقرار والعقود والمواعيد وغير ذلك ، فعلى ذلك أمر الإيمان . وكذلك قال اللّه سبحانه : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 - 24 ] ، وقال : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً [ الكهف : 69 ] ، فلم يلحقه وصف الخلف إذا كان العهد مقرونا بالثنيا ، وباللّه التوفيق . ثم العرف الظاهر في الخلق أنهم لا يستعملونه في موضع الإحاطة والعلم ، ومن سمع ذلك استعظم القول نحو أن يشار إلى محسوس ويستثنى ، ويستعملونه في موضع الشكوك والظنون ، وقد حذر اللّه تعالى بقوله : ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا [ الحجرات : 15 ] ، أو بما وصف أهل النفاق بالشك والريب ، لم يجز الثنيا في كل ما لا يجوز " أظنّه " " وأحسبه " " وأشك فيه " ، وباللّه التوفيق . ثم إن اللّه عز وجل شهد لمن آمن باللّه ورسوله واليوم الآخر بالإيمان بقوله : آمَنَ الرَّسُولُ [ البقرة : 285 ] ، وقد مدح بقطع القول به بقوله : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 136 ] ، ثم خاطب اللّه في كثير من العبادات باسم الإيمان ، وفي كثير من الحلّ والحرمة في ذلك ، ثم لم يوجد أحد يخرج في شيء مما أحل باسم الإيمان وأمر به ظنا منه بنفسه أنه ليس تحقيق لذلك الاسم وأن المراد ينصرف إلى غيره ، فكذلك في التسمّي . ثم الأصل في ذلك أن الإيمان مما ينسب إلى اللّه بالإنعام كقوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة : 7 ] ، وبالامتنان بقوله : يَمُنُّ عَلَيْكُمْ [ الحجرات : 17 ] ، وبالتزيين في القلوب والتحبيب بقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ