أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
273
التوحيد
مسألة في كون [ الإيمان تصديقا بالقلب أو معرفة ] وظن قوم أن لا يكون بالقلب تصديق وإنما يكون به معرفة خاصة . والأصل أنه يكون ، وإن كان لا يقدر على الإشارة إلى ذلك بحرف يفضل إلا من طريق الدلالة بالمعروف من القول : إن الإيمان تصديق في اللغة ، والكفر تكذيب أو تغطية ، فضد المعرفة في الحقيقة النكرة والجهالة ، ولا كان جاهلا بشيء أو منكرا له من حيث المعرفة مكذب على ما قال قوم منكرون أي لا يعرفون ، وكذلك كل من جهل حقا لا يوصف بالتكذيب له ، ثبت أن للإيمان بالقلب في التحقيق غير المعرفة . على أن المعرفة هي سبب يبعث على التصديق كما قد يبعث الجهالة على التكذيب ربما ، فكذلك لكلّ معنى ليس للآخر في التحقيق . وعلى هذا قول من يقول : الإيمان معرفة إنما هو التصديق عند المعرفة ، هي التي تبعث عليه ، فسمي بها ، نحو ما وصف الإيمان بهبة اللّه ونعمته ورحمته ، ونحو ذلك بما يظفر به ، لا أنه في الحقيقة فعل اللّه ، لكن لا يخلو حقيقته عن ذلك ، فنسب إليه ، فمثله أمر الإضافة إلى العلم والمعرفة . وذلك أيضا كما سمّي كل خطيئة المؤمن جهالة وكل مآثم الكافر نسيانا ، وكذلك المؤمن بما كان على الجهالة تعظيم ما يحل به أو النسيان ، أو بما كان كل منسي متروكا ، فسمّي به لا أنه اسم حقيقته ، واللّه الموفق . وعلى ذلك جائز القول " بالإيمان بجميع الرسل " على غير القول " بمعرفة جميع الرسل بالقلوب " ، وعلى ذلك قوله : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] لو لم يكن في القلب إلا المعرفة لكان لا يزيلها الكفر ، ولا يفيد الشرط في ذلك ، وقد يختار المرء لدفع الإكراه غير الذي هو حق عنده لدفع ذلك عنه ، فله شرط طمأنينة القلب . وكذلك القول لإبراهيم : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى [ البقرة : 260 ] ، وإنما يقال : " أو لم تؤمن بخبري أو بالذي عرفت ، قال : بلى " ولم يكن : " أو لم تعلم " ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن المعارف ربما تقع بأشياء بلا أسباب لا يوصف بالإيمان بها ، وكذلك قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ [ البقرة : 256 ] فهو التكذيب بالطاغوت فيما يدعون والإيمان باللّه لا على القول به ولكن على حقيقة الإنكار والتكذيب بالقلب