أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
264
التوحيد
بذلك وأقرّوا بأن اللّه هو المتفرد بعلم ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني أن ثمة كتب يقرأ فيها أعمال بني آدم وما سبق منهم من صغير أو كبير فهي الكافية في التقدير إن كان في حق الاحتجاج ، وإن كان في حق الإعلام فعلم اللّه بهم مغن عن ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وأما الآية في الدعاء فكذلك نقول بدعاء لمن له ذلك الوصف ويشفع له فيما كان في ذلك منه من المآثم والذنوب ، لا أنه إذا كان أفعالهم ذلك فيشفع لهم ؛ لأنه لا يجوز في الحكمة تعذيبهم على ما ذكر من الأفعال بل لهم عليها أعظم الثواب وأرفع المأوى ، فطلب الشفاعة والمغفرة لمثله يقبح من وجوه : أحدها أن ذلك إذ لا يجوز في الحكمة تعذيبه فكأنهم طلبوا منه أن لا يجور ولا يسفه ، وذلك لأفسق الخلق يخرج مخرج التفسيق ، فضلا من أن يتضرع إلى اللّه ، جل الكريم الحكيم عن هذا الوصف . والثاني أن الحق في مثله - إذ هو مثاب غير معاقب - يلقى ذلك منه بالشكر والحمد ، وفي الدعاء كتمان ذلك وكفرانه ، ومحال الإذن في مثله والدعاء ، واللّه الموفق . والثالث أن ذلك في الموعود له الجنة والمبشر بها فبطلان مثله يوجب الجهالة في ذلك ، إلا أن يكون الوقت لم يبيّن ، يكون ذلك في الاستعجال ، وهو قولنا في أصحاب الكبائر أنهم لو عذبوا بقدر الذنوب لكان ذلك في الحكمة عدلا فيشفع لسائلهم بالفضل والإحسان دون العدل والاستيفاء ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو بكر الكسائي « 1 » : قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] أن اللّه وعد المغفرة فيمن شاء ، ثم بيّن ذلك في الصغائر بقوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] ، وقد ثبت الوعيد في الكبائر ، بقي الوعد ، فحقه لم يزل بالذي ذكر لاحتماله ما وصفت . قال الفقيه رحمه اللّه : فنقول له بأوجه : أحدها أن الوعيد الذي ذكرته يحتمل الاستحلال والاستخفاف بالأمر والنهي فلا يترك ما أطمع بهذه الآية من المغفرة فيزال الطمع والرجاء بالوعيد المتوجه وجهين أو يوقف فيهما ، فأما القطع في أحد الوجهين بالمحتمل ومنع القطع بالآخر للاحتمال فهو تحكم ، ولا قوة إلّا باللّه .
--> ( 1 ) أبو بكر الكسائي واسمه حران من علماء النحو واللغة الكوفيين توفي سنة 197 ه ( الفهرست لابن النديم ولسان الميزان لابن حجر ) .