أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
259
التوحيد
وعارض في التحليل بالمجنون والصغير ، قيل : لهما حكم الإيمان بغيرهما ؛ إذ لولا ذلك الغير لم يجب لهما ذلك ، كما لو لم يجب لأولاد الكفرة وما نحن فيه لا غير في ذلك يتبعه ، فثبت أنه استوجبه بإيمان نفسه . ثم عورض بما يصلي الفاسق ويصوم فقال : لئلا يزداد فسقه ويزول عنه عذاب تركهما . قال الشيخ رحمه اللّه : يقال له : لم يفهم السؤال ، وإنما معنى ذلك أنهما يجوزان بالإيمان ، فلو لا أنه مؤمن لم يكن ليمضيا له ويزيلا عذاب تركهما عنه ، بل لا شيء عليه في تركهما ، ولا يجوز أن يفعله لو لم يكن مؤمنا ، ولا قوة إلّا باللّه . وقد أفردنا في بعض كتبنا في هذه الآيات كتابا أغنانا عن الإطناب في هذا الباب . ثم نذكر الفصل بين ما يخلد له العذاب ولا يخلد من طريق الحكمة وذلك يخرج على وجهين : أحدهما من طريق الاعتبار بتفاوت الذنوب في أنفسها ، وقد وعد اللّه أن لا يجزى إلا مثله ، وكذلك حق الحكمة ؛ إذ التعذيب يكون بما توجبه الحكمة لا بما يختار ؛ إذ ليس هو نوع ما يختار وبخاصة ممن لا يضره الخلاف ، ثم هو الموصوف بالعفو والرحمة ، ولهذا ما أوجب المغفرة والعفو عن كثير من الذنوب . ثم يخرج ذا على وجوه : أحدها أنه ما من أحد يعصي اللّه بنوع من الكبائر دون الشرك إلا وهو لوقت العصيان مكتسب الطاعة من خوف عقاب ، والفزع عن مقته ، ورجاء رحمته ، والثقة بكرمه ، وذلك عن خيرات لو قوبل بها ما ارتكب من الخلاف بغلبة شهوة وقهر غضب أو نحو ذلك ليرجح ما كان منه من خير على ما كان من شر ، فلا يجوز أن يحرم نفع الخير ويوجب له عقوبة الشر ، ومن ذلك فعله موصوف بالجود والكرم ولا كذلك معناهما ، ولا قوة إلّا باللّه . وليس مع من يكفر باللّه ويشرك به معنى يستحق اسم الحسنة والخير ؛ لأنه يكذبه وينكر أمره ونهيه ، فلا يحتمل أن يكون له الرجاء ، وفي دوام عذابه مضادة معنى الكرم والجود ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني أن اللّه جل ثناؤه وعد أن لا يجزى إلا مثلها ، ومثل الشرك الذي في العقل أكبر من كل ذنب ، مع ما لا حسنة يكون معه ومع غيره ، إنما هو الخلود في النار ؛ إذ معلوم أن الكافر يرضى بأضعاف ما يعذب مع النجاة يوما من الدهر ، فيبيّن ذلك أن تمام جزائه الخلود ، فإذا كان لغيره مثله فيجزى غيره أكثر من مثل الفعل ، وذلك جور في حكمته ، واللّه يجل عنه ، فهذا مع ما كان مرتكب ما دونه حسنات ، وليس معه ، ولا قوة إلّا باللّه .