أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

257

التوحيد

فيقال له : إن كان جهدك في صرف اسم الإيمان عن المبتلى بكبيرة - على ما فيه من تعظيم الرحمن وخشية العواقب - لئلا تسمى أنت به فلك ما اخترت في نفسك وسوّيته ، وإن كان ذلك لتزيل هذا عن غيرك فهو يعلم جرأتك في ذلك على اللّه بما فهم من تسمية اللّه إياه بغير الذي سميته ، فلا يحتمل أن يرتاب في خبر اللّه ، مع ما يعلم من نفسه كذلك بافترائك على اللّه بتسويل الشيطان ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الذي ذكرته لا يحتمله إلا سفيه أن يقول ويعاقب على ما يعلم كذبه فيما يعاتبه عليه ، فأما اللّه سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء يتعالى عن هذه الرتبة التي يأنف منها كل ذي لب ، واللّه المستعان . وأما أنت فحقيق لذلك لأنك تيأس به من روح اللّه وتؤثر شهوتك عداوة اللّه وولاية الشيطان ويتعرك في مذهبه لمقته ولعنه ، فهنيئا لك ما اخترته لنفسك عند الكريم والرحيم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قال : في قوله تعالى : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [ الحديد : 16 ] إنه أثبت اسم الإيمان وإن لم تخشع قلوبهم ، إنّ أوّل ذلك إثبات اسم الإيمان بلا خشوع ، وأنتم لا ترون إلا التصديق باللسان والمعرفة بالقلب . والثاني أن قد يقول لمن يخشى اللّه ويقوم بالغاية في شكره : أما ينبغي لك أن تخشاني وتشكرني ، لا أنه غير شاكر له ، ولكن على التنبيه . قال الفقيه رحمه اللّه : فأما الأول فإنما الآية إنما هو في الخشوع لذكر اللّه ، وأن من لا يخشع له مذموم فاسق ، وخشوع الإيمان هو الذي يكون بمعرفة جلاله وكبريائه ، وهذا لا يزول عن المؤمن ، ومع الإيمان قد سمّي مؤمنا وإن كان به مذموما ، وفي الآية دلالة طول ذلك فيهم ، وذلك يوجب الوصف بالكبيرة عندهم ، وقد أبقى لهم اسم الإيمان فبطل بذلك قولهم ، واللّه الموفق . والثاني هو وصف من لا يعرف المنة والشكر فيعرض عن قبولهما ويعاتب على ما كان حقه التعظيم والقبول ، فإن كان هذا وصف اللّه عند المعتزلة فهو قد بلغ مناه من التسمي بأقبح اسم والخلود في أسفل الدرك ، نعوذ باللّه من الشقاء . ثم أطنب في هذا القول ، لكن من أصل بنائه ما ذكرت ، فما نريد إطنابه إلا بعدا عن الإصابة ، وباللّه المعونة . ثم أجاب في قوله : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ الحجرات : 9 ] أنه كقوله : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [ البقرة : 217 ] وقد كان سمّاه مؤمنا من قبل ، والثاني أن يكون الاقتتال بغير سلاح نحو المجاذبة أو كانوا مجتهدين فلا يخرجون به من الإيمان . فيقال : إذ جرى الأمر بالإصلاح بينهم وتسمية الإخوة بطل معنى الرّدّة ، وقوله :