أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

232

التوحيد

التأويل : فاعمل بها بجد واجتهاد ، فكأنهم رأوا القوة هاهنا الأسباب ، لكن الظاهر من ذلك قولنا : خذها بقوة ، أي وقت الأخذ ؛ لأنها إذا لم تكن في وقت الأخذ يكون الأخذ بلا قوة ، فثبت به الذي يذهب ، كمن يقول لآخر : خذه بيديك وانظر إليه ببصرك ، فهو على الالتقاء ، وعلى ذلك قوله لموسى : فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها [ الأعراف : 145 ] ، واحتجوا أيضا بقول الجنيّ : وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [ النمل : 39 ] ، وقول المرأة : إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [ القصص : 26 ] . قال الشيخ رحمه اللّه : والحرفان مما ليس لهم التعلق به لما كانت قوة موسى التي علمت بها إنما علمت وقت النزح ، وهي لا تبقى إلى ذلك الوقت ، وكذلك قوة الجنيّ على ما امتحن نفسه فيما سبق ، واللّه الموفق . والثاني على إرادة وقت الاستعمال بالعادة الجارية بالحدوث في كل وقت لما شاء ، ولا قوة إلّا باللّه . وقد احتجوا بما في القرآن من ذكر الاستطاعة ، وقد بينا ذلك الوجه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الجبرية المعروفة عندنا هم الذين يلقبوا بالجبر ، وأحالوا القدرة على ما في الفعل جعل اللّه كاذبا ، وأرجعوا جميع الأفعال إلى اللّه ، ولم يثبتوا للعباد في التحقيق فعلا . قيل : يقول لهم اللّه : لم فعلتم ذا ، ولم لا فعلتم ذا ؟ ونقول : افعلوا ذا ، ولا تفعلوا ذا في التحقيق ، بل إن أمر أو نهى فإنما يأمر في التحقيق نفسه وينهي نفسه ، ثم هو يرتكب المنهي في التحقيق ، ويأمر ويطيع هو في الحقيقة ، ثم يعاقب غيره فيعذبه ويثيبه ، ويسميه مع هذا حكيما رحيما جل من صفته الرحمة والحكمة ، وعلى ذلك يجب أن لا يجدوا الألم في الحقيقة واللذة ، وتكون حقيقتها راجعة إلى اللّه جل اللّه عن ذلك وتعالى . ثم يبطل معنى الرسل والكتب لما هي في التحصيل تصير إلى اللّه بالأمر والنهي والوعد والوعيد ، لا منه إلى غيره . ثم يبطل حكمة خلق الخلق ويحصل على العبث إن كان العلم يبلغ معرفته ، ومن يكون خروج فعله على كفران وجحود المنن ، والكذب في الإخبار ، والسفه في الأفعال فهو حقيق أن يكون شيطانا رجيما ، فهو كذلك لا ريب فيه ، وهو شبيه بقولهم : كان اللّه غير عالم ولا قادر ، ثم صار كذلك ، فلعل تدبيره الأفعال التي كانت فيما نسب إلى الخلق في ذلك الوقت جل اللّه وتعالى عن ذلك . ثم نسب القدرية - وهم الذين يلقبوا بالاعتزال - الخبر إلينا ، على تبرّينا عن ذلك عقدا وقولا ، لكن كذبهم في هذا نحو كذبهم علينا في اسم القدرية . ثم نذكر أحقّنا بذلك في مقابلة المذهبين ؛ ليعلموا جرأة المعتزلة وعظيم سفههم كما بينا في القدرية .