أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
227
التوحيد
قول ووجه آخر إنه يتكلم به على الاعتذار والاحتجاج ، ذلك المفهوم منه ، وقد بينا أن لا عذر لهم في ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وكذلك عند الناس لا يقال : يا خالق الخبائث والأنجاس ونحو ذلك ، وإن كان هو في الحقيقة لكل شيء خالقا ، فمثله الذي ذكرنا . وأصل ذلك إنه يضاف إلى اللّه تعالى كل ما كانت الإضافة إليه تخرج مخرج التعظيم أو مخرج الشكر أو مخرج ذكر نعمه أو أمره ، وما خرج على غير ذلك لا يضاف إليه ، وإن كان في الحقيقة خلقه ، ولا قوة إلّا باللّه . وجملة ذلك إن اللّه يوصف بفعله ، وهو خارج على معنى العدل أو الفضل في الحقيقة ، وربما يضاف إليه ما ليس في الحقيقة فعله أو صفته ، فإن كان يقتضي معنى محمودا يجوز ذلك ؛ لما نيل ذلك بإنعامه وأفضاله ، وإن لم يكن لم يضف ؛ لما ليس ذلك في الحقيقة فعله فيوصف به ، وهو من حيث فعله حكيم عدل ، وذلك الشيء فيما عند الخلق بغير هذا الوصف ، واللّه تعالى يجل ويتعالى عن غير هذين الوصفين ؛ إذ في أفعاله صفة عدل وحكمة أو فضل وإحسان ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الفقيه رحمه اللّه : قالت القدرية : فيما أضيف إلى اللّه الإضلال والإزاغة وصرف القلوب فيما قال : صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ التوبة : 127 ] ونحو ذلك ، إن ذلك كان بالمحنة والتخلية ونحو ذلك ، وفي الخيرات بالأمر والتقوية ونحو ذلك ، ولو كان بالذي قالوا يضاف إليه الإخراج من النور إلى الظلمات كما أضيف إله الإخراج من الظلمات إلى النور عندهم بالأمر والتقوية ، إذ صارت علة الإضافة في الخير إليه الأمر والتقوية ، وذكر الهداية ، وكل ذكر يقابل ما ذكر ؛ إذ الأمر والتقوية هما المحنة وفيهما التخلية ، فإذا استقام ذا ، ولم يستقم الآخر بان إن في ذا معنى ليس في الآخر . مع ما زعمت القدرية إن الشرور لا تضاف إليه ؛ لأنه نهى عنها ، فقد نهى عن الضلال والغواية والزيغ ، فلم أضيفت إليه ؟ واللّه الموفق . وقالوا في الإضلال بالتسمية ، وذلك فاسد ؛ لما وجد من غيره ولم يضف إليه ، ولما ليس في التسمية فضل حكمة يذكر في موضع الوصف بالغنى والسلطان كقوله تعالى : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 38 ] ، وذلك في موضع القوة والسلطان ، وباللّه نستعين . والأصل في هذا كله عندنا أن اللّه إذ هو موصوف بفعله ، ومعنى فعله خلقه كل شيء على ما هو أولى به ، متفضلا في فعله أو عادلا ، لا يخلو وصف فعله عن هذين ، وحقيقته عن الأول ، فصار بأي وجه أضيف إليه من طريق فعله محقق له معنى خلقه ، ولو ذكر ذا في الإضلال وما ذكر في الطبع وغيره لم يحتمل شيء من تمويهات المعتزلة ، فكذلك إذ ذلك معنى فعله ، واللّه الموفق .