أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
225
التوحيد
موقع مأثمهم بالمحل الذي وقعت ، ولكان لهم بما لا يضر اللّه ولا يوهن سلطانه ولا ينقص ملكه عذر ، ولو كان لهم بذلك عذر لكان بما خلقهم على العلم بما يكون منهم عذر ولو كان لهم في ذلك احتجاج لكان بما هو واضح لهم من ذلك كله ، وهو الذي يكون مثله وقت الفعل متصورا في الوهم من نحو الكرم والجود والغنى عن تعذيبهم وبما هو عفو غفور وبما ليس له في طاعتهم نفع ولا عليه في معصيتهم ضرر ، فإذا لم يكن الاحتجاج بشيء من ذلك لم يكن في الأول . فإن قيل : كيف لا دل ذا على أن ليس من اللّه ما تذكرون ؟ قلنا : لما مضت الأدلة في تحقيق جميع ما بينا من اللّه عز وجل ، ولا قوة إلّا باللّه . والأصل في هذا أن كلا يعلم أنه فاعل ممكّن مما يفعله ، مؤثّر له غيره مما لو منع عنه لعظم ذلك واشتد . وأنه اختار على ضده ، فلا سبيل إلى دفع حقيقة ذلك ؛ إذ يعلم كل ذلك من نفسه ، ولما صار ذلك لأهله كالعيان والحس الذي لا يتخيل إليه على الغلط ، ثم يجد كل واحد فعله خارجا على غير الذي يقدّره عقله من الحسن والقبح وعلى غير الذي يبلغه علمه من التقدير بالمكان والزمان ، وعلى ما لا تقصده نفسه من التعب والألم ولا تستعمله قدرته في مثله ، على ما ليس عنده في قدرته نقصان ، فثبت أن أفعالهم من هذه الوجوه التي كادت تصير حسية عيانية ليست لهم ، فمن رام تحقيقها عنهم من هذه الوجوه أو نفيها عنهم من الوجوه المتقدمة فهو يكابر عقله ويعاند حسه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نتفق والمعتزلة أن اللّه تعالى لا يضاف إليه شيء من الخلق أو أفعاله إلا من الوجه الذي لا يوهم القبح في الأسماء ، وما يوهم ذلك فحقه أن ينفي عنه ذلك . ويخرّج على هذا مسائل : إحداها في وجه إضافة ما أضيف إلى اللّه من الخيرات ، إنها من اللّه . قالت المعتزلة : يضاف إليه من أمر ودعا إليها وقوي عليها . وقلنا نحن : هذا من الإضافة ، وإن كان حسنا فلا هذا يراد بالإضافة إليه عند ذكر الأفعال ، ولكن المراد الشكر والحمد له إذا ذكرت الأفعال . وقد يجوز الأول ، وهذا أولى ؛ لأنه من حيث الأمر والدعاء والتقوية اشترك فيه المؤمن والكافر ، ومن جهة الشكر والحمد يختلف ، ومما يبين ذلك جواز القول المطلق : إن الإيمان نعم اللّه ومننه ، وإن المؤمن قد أنعم اللّه عليه ومنّ ، وأنه لولا فضل اللّه ما ذكى ، ولمسّه عذاب عظيم . ومن هذا الوجه لا يضاف إلى اللّه في الكافر ، وإذا لم يذكر الأفعال فعلى الأمر ، واللّه الموفق . ولهذا طعن اللّه من قال بالكتاب المبدّل إنه من عند اللّه وبإضافتهم [ . . . ] « 1 » ونحوها ، إنهم ادعوا الأمر بذلك ، فبرأ اللّه نفسه عن ذلك ، وأخبر أن ذلك من عمل
--> ( 1 ) كلمة ساقطة في الأصل .