أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
222
التوحيد
مسألة في القضاء والقدر الأصل عندنا أن هذه المسألة ومسألة الإرادة كلها في خلق الأفعال ، إن ثبت ذلك ثبت هذه ؛ إذ خلق الأفعال يثبت القضاء بكونها والقدر لها على ما عليها من حسن وقبح ، ويوجب أن يكون مريدا لها أن تكون خلقا له ، وقد بينا في هذا ما نرجو به الكفاية لمن أكرم بالهداية ، لكن الناس أفردوا التكلم في مسألة منها فاتبعناهم في الفعل لما احتمل أن يكونوا أرادوا أن الحق قد يظهر بنوره لمن تأمل بأي لفظ من الألفاظ يعبر به عنه ليعلم أن الحق لا صار حقا للسان ولا لنوع من البيان ، لكن صار حقا بما له من الأدلة والبراهين ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم القضاء في حقيقته الحكم بالشيء والقطع على ما يليق به ، وأحق أن يقطع عليه ، فرجع مرة إلى خلق الأشياء ؛ لأنه تحقيق كونها على ما هي عليه ، وعلى الأولى بكل شيء أن يكون على ما خلق ؛ إذ الذي خلق الخلق هو الحكيم العليم ، والحكمة هي إصابة الحقيقة لكل شيء ووضعه موضعه ، قال اللّه تعالى : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ فصلت : 12 ] ، وعلى ذلك يجوز وصف أفعال الخلق أن قضى بهن ، أي خلقهن وحكم كقوله : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ [ طه : 72 ] بمعنى احكم ، ومن ثمة سمي العالم قاضيا بما يردّ كل حق إلى محقه ويبين الذي هو حق ذلك ، وكذا قوله : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 47 ] ، وكذلك يجوز أن يقال : حكم اللّه أن فلانا يفعل كذا في وقت كذا فيكون منه كذا في وقت كذا ، وحق هذا أن يكون حكم بما علم أنه يكون ، وحكم أيضا بالذي يستحق الفاعل بفعله من ذم أو مدح ، ثواب أو عقاب . وقضى أي أعلم وأخبر كقوله : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [ الإسراء : 4 ] ، وعلى هذا الوجه أيضا يجوز ثناؤه ، ولا تمانع في جواز ذلك . وقضى قد يكون أمر كقوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 23 ] ، وقوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً [ الأحزاب : 36 ] ، وهذا لا يجوز أن يضاف إلى اللّه إلا في الخيرات . وقد يكون في معنى " فرغ " كقوله : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ [ القصص : 29 ] ، لكن هذا النوع لا يجوز أن يضاف إلى اللّه لإضافة الشغل له بشيء أو فراغ له منه إلا على مجاز اللغة في تحقيق انقضاء ما خلق ، ولا قوة إلّا باللّه .