أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
220
التوحيد
فعل آخر ، ومما لا يبلغه حد البشر ، فمن كان يظن أن اللّه يعجز عن هذا النوع من الخلق ، ولا على حقيقة فعل الخلق ، بل لو أريد ذا لكان موضعه فيما ظن المعتزلة أنهم خلقوا خلقا ليس في العقول أرفع منه ولا أعلى في الحسن والفضل . فرمت هذا المعتزلة على ألسن الضعفة ، فبيّن اللّه قدرته على مثل ذلك ، وإلا لا وجه لإنكار مثله ممن يقرّ له بخلق السماوات والأرض وما بينهما ، ولكن بيّن بذلك فساد قول المعتزلة : إن اللّه قد شاء ، فلم يكن ، إذ هو لا يقدر على خلق أفعال العباد ، فقال : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ هود : 4 ] جوابا لذلك ، وقال تعالى : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] جوابا للأول ، وقوله : وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ [ محمد : 4 ] ، على أنه لو يشاء تكذيب منذريه ، بل لا يشاء لانتصر منهم بما شاء ، ولكن شاء التأخير ، والثالث لانتصر منهم يهم ، ولكن شاء أن يبلو صحابة نبيّه بالهزيمة ليبين الذين صدقوا كقوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ العنكبوت : 3 ] ، وقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [ الحج : 11 ] . وقال أبو حنيفة رحمه اللّه : بيننا وبين القدرية الكلام في حرفين : أن نسألهم : هل علم اللّه ما يكون أبدا على ما يكون ؟ فإن قالوا : لا ، كفروا ؛ لأنهم جهّلوا ربهم ، وإن قالوا : نعم ، قيل : شاء أن ينفذ علمه كما علم أو لا ؟ فإن قالوا : لا ، قالوا بأن اللّه شاء أن يكون جاهلا ، ومن شاء ذلك فليس بحكيم ، وإن قالوا : نعم ، أقروا بأنه شاء أن يكون كل شيء كما علم أن يكون . فهذا الذي تقرر عندي من المحكيّ عن أبي حنيفة رحمه اللّه ، لا أني ذكرته بلفظه ، ولا قوة إلّا باللّه . فإن قال قائل : إذ قبح الأمر بالمعاصي لم لا قبح إرادة كونها ؟ قيل : لأوجه : أحدها التناقض في الأمر ، وليس ذلك في الإرادة لأن الفعل ربما يصير للأمر ، فمحال الأمر بالمعصية لأنه يصير بالأمر طاعة ، فيبطل معنى المعصية بها الأمر ، وليست الإرادة كذلك . ألا يرى أن كل فاعل مريد لفعله ، ومحال أن يقال : أمر نفسه بفعله ، ثبت أنهما مختلفان ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن اللّه يوصف بالإرادة في فعله ، ومحال أن يكون عليه أمر فيه ، فثبت أن أحد الوجهين ليس هو دليل الآخر . مع ما كان اللّه تعالى مريدا هلاك الأنبياء والأخيار وبقاء الأعداء والأشرار والسعة لهؤلاء في الدنيا ، ولم يأمر بذلك ، بل أمرنا بالدعاء بهلاك هؤلاء وبقاء أولئك ، واللّه الموفق . وأيضا إن فائدة الأمر رفعة الأمر وعلوه حيث استبعد الآخر وأظهر فيه حقه وعظيم مننه التي بها استحق أن يكون سيدا له ومعبودا ، وحق الإرادة الاختيار ونفي الغلبة أن لا يقهر ولا يمنع عن سلطانه ولا يحال بينه وبين ملكه ، وفي دفع الإرادة هذا ، لذلك بطل أن لا يريد ، وكذلك في المنع عن الأمر والنهي ؛ لذلك لزم القول بالأمر والنهي على الأمرين ليظهر سلطانه وربوبيته ، ولزم الإرادة في الكل ليحق ملكه