أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
22
التوحيد
مع ما كان التشابه الذي تقدّره أوهامنا ليس عن قول اللسان نقدّره ، بل بما كنا نعرف الشّبه بين الذاتين والفعلين ، فإلى ذلك يرجع ، وهاهنا عند التسمية ، وذلك يحقّقه لو لم يكن لهما اسم عرفا به ، ووصف وصفا به . فإذا كان اللّه سبحانه فيما اعتقدنا وحدانيته اعتقدنا غير شبيه بالمعروفين في تسمية الآحاد لم يلزمنا التّسمية بما تعرّفنا ما لولا الاسم لم يجب التشبيه بالاسم لذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن من نفي الأسماء والصفات من الفلسفة لم يقل بالتعطيل ، وكل مثبت معناه في التحقيق نفي التعطيل ، ثم لم يجب به التشابه ، فمثله في الأسماء . وإذا لم يحققوا فما يقولون لو قيل لهم : ما تعبدون ، وإلى ما ذا تدعون ، وبأي دين تدينون ، ومن أمركم ونهاكم عما تنهون وتؤمرون ، ومن به بدء العالم العلوي والسفلي ، وبمن كان أوليّة الأشياء ؟ ليرجعوا إلى معنى يقرب إلى الفهم أو يلحقوا بمنكري حدث العالم ، ويبطلوا قولهم في الأوّل : إنه العقل أو الأصل السابق أو الروحاني الأول ، أو ما قالوا في ذلك ، وفي ذلك اختيار الحيرة والتمسّك بالجهل ودفع ما يعرف غير العالم به ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر طرفا من الشّبه التي اعترض من استحوذ عليه الشيطان وصرفه بها عمّا ظهر من البيان ليعلم أن الذي بعثه على ما اختار خدعة نفسه بتسويل عدوه ، وذلك لا بتقصير من اللّه في نصب البرهان ، ولا قوة إلّا باللّه . [ شبه من استحوذ عليه الشيطان ] فقول : سوّل الشيطان لمنكر العيان - بما قد يخرج على غير الذي حسبه المتأمل فيه ليصدّه عن عبادة الرحمن - المئوف « 1 » بصره ، أو الذي تنازعه نفسه في المنام ، أو الذي يبعد عنه ، أو يدقّ عن الإحاطة ، ثم لم يعمل عليه كيد الشيطان في الصّرف عن الملاذّ ، وكفّ النفس عن الشهوات ، ويوقيه من الجواهر المؤذية ، وصون النفس عن اقتحام النيران والبحار ، ولو كان عن حقيقة جهل ينطق لكان لا بقاء له ؛ لما يقتحم المهالك ، ويمتنع عن تناول الأغذية ، فثبت أن الذي دعا إلى ما يقوله حبّ اللذّات والميل إلى الشهوات . مع ما في الذي ذكر من اختلاف الأحوال ، وتبيّن الخلاف دليل كاف على أنه قد علم العيان حيث أخبر عن الخلاف لما ذكر من الحسبان . وعندنا أن ذلك بمعنى العيان : إن المئوف ، وفي حال المنام ، والبعد ، والدقة لا يصل إلى حقائق الأشياء ، وعند الارتفاع يصل . فذلك الذي أوجب من الاختلاف هو حق العيان ، لم يجز أن ينكره ، وعلى مثله قول مثبتي العيان ، ومنكري الخبر بما قد يظهر فيه الكذب بعد أن ينتشر به القول .
--> ( 1 ) المئوف : الذي أصابته آفة أو عاهة ( القاموس المحيط ) .