أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

217

التوحيد

فعل الكفر من الكافر باطلا وظلما ، لا يكون منه إرادة الظلم للعباد ، وتأويله قوله : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] . وبعد ، فإنه في الاعتبار به جائز لأن إرادة ما يعلم أن يكون ليكون عدلا ، إذ هو أراد جزاء فعله لا أن يعاقبه على أمر لم يفعله ، واللّه الكافي . ثم سئل عن إرادة رسول اللّه انهزام المشركين فزعم أنه أراد لينظروا فيما دعاهم إليه . قال الفقيه رحمه اللّه : فالانهزام طاعة أو معصية ؟ وكذلك الحال إلى وقت النظر ، وفي ذلك دوام على المعصية . لا بد أن يقول : معصية ، فيجوز أن يراد به لا على قصدها لبعض المصالح ، ومثله قوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [ المائدة : 29 ] ، إنه يجوز إرادة فعل هو معصية لا على قصد عصيان ، وكذلك معاصي المؤمنين كلها كانت على أفعال من عاصيهم ، وإن لم يريدوا معصية اللّه ، بل لو أرادوا لكفروا ، فهذا يبيّن أن إرادة فعل يكون من فاعله معصية لا يكون كإرادة المعصية ، فمثله إرادة اللّه فعل الكافر ليكون منه معصية ، أو فعله الشتم ليكون مشتما قبيحا لا يكون كإرادة الشتم والمعصية ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عارض بأن رسول اللّه رضي منهم الانهزام ، وذلك فاسد ؛ لأن الانهزام منهم لم يكن لرسول اللّه أو للّه ، فيتكلم فيه بالرضا وغير الرضا ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عورض بما كان كفر أكثر عباد اللّه بأن أراد إبليس ، واللّه أراد منهم الطاعة ، فصارت إرادة إبليس في ملك اللّه وسلطانه أبعد من إرادة اللّه ، فأجاب بالرضا والمحبة والسخط ، وقد بينا نحن الفصل بين الأمرين ، على أنه يكون فعل يرضى به المرء ويسخط من غير أن كان وقت فعله ، ومحال ذلك في الإرادة ، ثبت أنها شرط الفعل فيما يظهر التعجيز إذ لا يخلو عنها فعل المختار . وأيضا إنا لا نقول بأن اللّه يحب من يعلم أنه لا يؤمن أو يرضى منه لأنهما يحبان بالفعل ، فمن لا يفعل بالقول به بعيد ، وأما الإرادة فقد بينا ، واللّه أعلم . والأصل في هذا في المتعارف أن الفعل يخرج على إرادة أو غلبة أو غفلة ، ثم اللّه سبحانه لا يجوز أن يوصف في فعل العبد بالغلبة أو بالغفلة ، ثبت أن كان بالإرادة . والمعتزلة لا يثبتون للّه معنى في الإرادة سوى كون العلم بعد أن لم يكن من غير ضرورة له ، وهذا المعنى هو في فعل كل من أهل العالم قائم ، فلا وجه لإنكارهم على قولهم ، وباللّه العصمة . ثم قال : إرادة إبليس هي التمني ، ولو أراد العباد ما كفروا ، واللّه يقدر على منعهم بالقهر . قال الفقيه رحمه اللّه : قلنا له قد صدقت ، والإرادة قد توجب الغلبة والتمني لا ،