أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

214

التوحيد

على ما فسّر الكعبي ليس غير أنه لم يغلب ولم يضطر في فعله ، وهذا المعنى قد أعطوه جميعا في فعل العباد ، فإنكارهم الإرادة - وهذا معناها - لا معنى له بعد الإعطاء في الجملة ، واللّه الموفق . والأصل عندنا إذا سئلنا عن مشيئة اللّه فعل الكفرة على ما كان وجهان : أحدهما القول بذلك في الإطلاق على ما عرف من الإرادة في ذلك . والثاني منع الإطلاق إذا لم يفهم مراد السائل أو خشي أن يريد التعنت في ذلك ، وهو أن يقال : إن للمشيئة معاني فيما يتعارف ، أحدها التّمني ، وذلك عن اللّه منفي في كل شيء ، والثاني الأمر والدعاء إليه ، فذلك منفي عن اللّه في كل فعل يذم فاعله ، والثالث الرضا به والقبول له ، وذلك كذلك أيضا في كل فعل يذم عليه ، والرابع تأويله نفي الغلبة وخروج الفعل على ما يقدّره ويريده ، وهذا يقول ذلك ، وقد أجمع على معناه ، فمن أنكر ذلك بعد إعطاء معناه فهو قدر المشيئة على غير حقيقة المراد منها ، وهو عندنا لازم ؛ إذ هو لكل شيء خالق ، وقد ثبت وصفه فيما يخلقه أنه غير مضطر إليه ولا يكره عليه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر وهم الكعبي فيما ذكر في هذا الباب . سأل نفسه عن قول الناس : " ما شاء اللّه كان وما لا يشاء لا يكون " ، فأجاب بالذي في تأويل قوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] ، أنه ليس في إرادة الشتم له مدح ، وقد بيّنا ذلك ، على أنه في إرادته أن يكون كاذبا فيما أخبر به حقيقة الشتم ، وليس ذلك في إرادة كون فعل الشتم ممن يشتمه قبيحا شتما يدل على ذلك العلم به في الوجهين أنه في الأول جهل وخطأ ، وفي الثاني حكمة وصواب ، وصرف المشيئة إلى القهر ، وقد بيّنا وهمه . على أن معنى القهر في هذا أو في غيره محال ؛ لأنها هي في الإيمان والكفر والكذب والصدق ، وهو لو خلق الكفر والكذب لا عن أحد في الحقيقة يكون كافرا كاذبا عند جميع من يرى خلق الشيء ذلك الشيء ، فذلك يلزمهم أن يقولوا تأويل قول المسلمين : ما شاء اللّه كان ، أي لو شاء الكفر والكذب ، وهذا التأويل مما لا يرضى به مجنون أن يوجه إليه قوله ، فكيف جملة المسلمين ، وباللّه التوفيق . ثم خرج من المعارضة بأخرى يقول بها على المسلمين فقال : هم يقولون : ما أحب اللّه كان وما لم يحب لا ، وهذا لم يسمع من شيطان ، فكيف من مسلم . ثم عارض بقولهم : أمر اللّه نافذ ولا مرد لأمره . قيل : لهذا وجهان : أحدهما أمر التكوين كقوله : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، فهذا لا مرد له ، ويدخل في ذلك فعل الخلق جميعا ، وهو مثل الأول . والثاني أن يراد به حقيقة حق الأمر أن لا يرد عن الوجه الذي يكون الأمر وما به الأمر فيما لم يكن ، لم يخرج الأمر عن حدة وتزول الإرادة ؛ إذ هي المكون ، والأمر ليفعل به . ألا ترى أن