أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

212

التوحيد

يشاءون إلا أن يشاء اللّه لا يجوز إذا شاء اللّه أن لا يشاءوا ، ويشاءون وإن لم يشأ ، فإن ذلك آية الكذب الذي هو قبح اللّه في العقول ، وباللّه المعونة والتوفيق . ثم قول المسلمين المتوارث بينهم : ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لا يكون ، على غير اضطراب قلب لأحد أو توهم غير ، وعلى غير سبق الوهم إلى خلاف لما عليه المشيئة المعروفة التي لديها يقع فعل الاختيار والاضطرار جميعا . على أنه لو جاز أن يشاء شيئا لا يكون ، ويشاء أن لا يكون فيكون ، لم يكن الكون بالأول أحق من أن يكون من صفات الربوبية من الثاني ، ولكل موضع ، بل لو قيل : إن ذا يغلب على الأول عندهم ، لم يبعد ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا تعارفهم في الوعد إذا حذروا الخلف إن شاء اللّه ، وفي اليمين إذا خافوا الحنث قالوا ذلك . ثبت أن عقد جملة المسلمين واحد قبل تمويه المعتزلة ، وهو كمال قال : « كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهوّدانه وينصّرانه ويمجسانه » « 1 » ، يوجب شهادة ودلالة وحدانية اللّه تعالى حتى يجيء التلبيس ممن ذكر ، وكذلك أمر المشيئة عند الجميع قبل تلبيس المعتزلة ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا الموجود في عرف الخلق من الدعاء بإرادة اليسر والخير لهم على طمأنينة القلب بحقيقة ذلك لو كانت ثمة إرادة ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا عظم القول في القلوب بأن ما شاء إبليس كان ، وما لم لا يشأ لا يكون ، على العلم بكون ما لا يحصى من الشر وخروج الخير من الكون في ذلك ، ووجود مشيئة إبليس بذلك ، ثبت أن كون حقائق الأشياء بما للّه فيها مشيئة ، وامتناعها عن الكون لذلك ؛ لذلك استحسنوا إضافة ذلك إلى اللّه ، واستقبحوا إضافته إلى إبليس وغيره من العصاة ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم العبرة بما يوجبه ضرورة العقل ، وهي توجب ذلك ؛ إذ يعلم كل أحد أن فعله يخرج على غير الذي يريده من الحسن والقبح ، واللذة والألم ، والمحبة والسخط ، ثبت أن لغيرهم في خروج فعلهم على ما خرج إرادة على تلك الإرادة يخرج الفعل ، واللّه الموفق . وأيضا إن إحداث شيء في سلطان آخر وفي مملكته من حيث لا يشاء ولا يريده آية الضعف والقهر ، ومن ذلك وصفه محال أن يكون ربا وإلها ؛ لذلك لزم وصف اللّه بذلك ، واللّه الموفق . وأيضا أن اللّه تعالى لو أراد أن يكون الكفر غير الذي يعلم أنه يكون ، غير الذي

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب ما قيل في أولاد المشركين ، حديث رقم ( 1319 ) [ 1 / 465 ] ومسلم في صحيحه ، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة . . ، حديث رقم ( 2658 ) [ 4 / 2047 ] . ورواه غيرهما .