أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
20
التوحيد
بعض في بعض على قدر الحاجات ، وهذا واللّه أعلم معنى قوله : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] ، فهذا مع ما جعلت الأجسام ، وهي الأعيان ، على جهات ست ، ثبت أن مدبر كل - على اختلاف الأجناس - واحد ، حتى جمع الكل تحت معنى واحد ، ولا قوة إلّا باللّه . والثالث أنه لا يوجد جوهر واحد يرجع بجوهره إلى معنى واحد من الضّرر أو النّفع ، أو الخبيث أو الطيب ، أو النعمة أو البلاء ، بل كل شيء يوصف بالخبث فهو يصير طيبا في وجه غير من له خبث ، وكذلك سائر الصفات . وعلى ذلك أحوال الأشياء : إنها ليست على نفع بكل حال أو ضرر بكل حال ، ثبت أن مدبر ذلك كله واحد ، حتى جمع في كلّ وجوه المضار والمنافع ، ولم يجعل شيئا ذا نوع ليعلم أنه عن أصل يرجع إلى جوهره ، أو عن تدبير عدد يفعل كل جهة ، فيتناقض بما تفرّد كلّ بالجهة التي هي منه ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن الأعيان تراها تحت حد الأجسام كلها ، وهي مجتمعة على طبائع متضادة حقها التنافر والتباعد بما بينها من التعادي الذي لو توهم تركها وطباعها لكان في ذلك فساد الكل ، فثبت أن مدبر الجميع بينها واحد ، يجمعهم باللطف ، ويحبس ضرر كلّ عن غيره بالحكمة العجيبة التي لا تبلغها الأوهام ، ولو كان لعدد لجرى فيها حق الاختلاف والتضاد ، على ما عليه إرادة الفاعلين من السرّ بغيرهم ، وبصنع غيرهم ليتبيّن صنعه ، وباللّه النجاة . وأمكن الجمع بين الحرفين في جميع ما ينتهي إليه الاعتبار ، من الإشارة إلى الدلالة ، إنها تخرج على النظر إلى الأحوال والأفعال ، فالأحوال هي أن يكونوا في جميع معاني الربوبية سواء ، فيكون في ذلك تدافع وتمانع ، مع ما كان ذلك صفة فرد سمّوه عددا ، أو تختلف ، فيكون الأتمّ لها أحقّ بالربوبية . وأما الأفعال ، فما ذكرت من اتساق جميع العالم - مع تناقض الطبائع وتضادها صارت كأنها أشكال في قوام بعض ببعض ، وكون بعض لبعض عونا وناصرا في البقاء - وإن كانوا بالوجه الذي ذكرت ثبت أن ذلك التألف مع التضاد لا يحتمل إلا بمدبر حكيم عليم لطيف ، لا ينازع في التدبير ، ولا يخالف في التقدير ، ولا قوة إلّا باللّه . وإذا ثبت القول بوحدانية اللّه تعالى والألوهية له - لا على جهة وحدانية العدد ، إذ كل واحد في العدد له نصف وأجزاء - لزم القول بتعاليه عن الأشباه والأضداد ؛ إذ في إثبات الضد نفي إلهيته ، وفي التشابه نفي وحدانيته ؛ إذ الخلق كلهم تحت اسم الأشكال والأضداد ، وهما علما احتمال الفناء والعدم ونفي التوحيد عن الخلق . واللّه واحد لا شبيه له ، دائم قائم لا ضد له ولا ند ، وهذا تأويل قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . وأصل ذلك أن كل ذي مثل واقع تحت العدد