أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

194

التوحيد

التبريد ، إنه يقع به الذي له طبع بالاضطرار ، وذلك كالولاية مع الإيمان ، والعدوان مع الكفران ، سببهما مختلف على اختلافهما ، فمثله أمر القوة على الأمرين ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر طرفا مما يبين قبح قول المعتزلة عند التحصيل ، وإن كان قولهم في الإطلاق قولا لذيذا في السمع يشبه أن يكون حقا ، واللّه الموفق . وهو من أن قولهم إن القدرة لا تبقى وقتين ، وإنها ليست وقت الفعل ، فوقع الفعل في الحقيقة ولا قوة له وقت وجوده ، وذلك علم الاضطرار ووقوع الفعل بالطبع ؛ ثم الدلالة أنّ حق مثله الاضطرار أنّ فقد جميع الأسباب التي بها الفعل لوقته يحيل الفعل ويوصف صاحبه بالاضطرار ، ففوت القدرة التي لها الفعل أحق بذلك ، فصيّروه مضطرا إلى ما يصير به وليا للّه تعالى ، وعدوا له عند الاختيار . ومما يوضح ذلك أيضا أن من قولهم : إن من أراد التحرّك للوقت الثاني منه أنها تقع لا محالة ، ولا يقدر صرفها إلا بمنع من قبل غيره ، وذلك آية الضرورة . ثم وجبت الولاية والعداوة بمثله ، وذلك وحش في العقل . وأيضا أن من قولهم إن ليس عليه وقت الفعل أمر ولا نهي إلا على المجاز لما يقوله المسلمون ، وإنما معناه أنه مأمور به بمعنى أن كان من قبل ليفعل فيه ، فإذا لم يكن هو مأمورا به ولا منهيا لم يكن بالفعل مؤتمرا ولا مرتكبا النهي وقته ، وبه تجب العداوة والولاية ، فصارا في الحقيقة لا لطاعة ولا لمعصية ، أو لا أمر ولا نهي ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى ذلك قولهم : إنه مأمور بالفعل في الوقت الثاني ، وفي الثاني مأمور به في الوقت الثالث ، كذلك أبدا ، فلا يفعل الذي أمر بكل وقت ، وليس بتارك للأمر ؛ لما ليس بمأمور وقت الترك ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الأصل الذي في العقل دركه أن كل مأمور بالفعل للغد ليس بمأمور هو به للحال ، فكذلك يجب في الوقت القريب ، فيجب أنّ الذي أمر بالفعل للوقت الذي يتلوه ليس بمأمور به للحال في العقل ، ثم ليس بمأمور به في الوقت الثاني عندهم ، ولا منهي عن ضده ، فيبطل حقيقة الأمر والنهي بما في العقل احتماله على قولهم ، ويبطل قولهم بما في العقل دفعه ، وهم مع ذلك لا يجعلون له قدرة في ذلك الفعل ، فيكون تكليف ما لا يطاق على قولهم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم المسألة بينهم وبين الحسين « 1 » لا معنى لها ؛ لأن الحسين يقول : كل شيء يكون به فعل الطاعة كان مع الكافر سوى العصمة والتوفيق . وهم وافقوه بأنه لا

--> ( 1 ) هو الحسين بن محمد النجار ، سبقت الإشارة إليه .