أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
186
التوحيد
ثم قوله : لو أبقى اللّه القوة ، ومن مذهبه أن القوة لا تبقى وقتين ، لا معنى له . ثم ما عارض من الفعل فهو يختاره ويعلم ما يفعله ويقصده ، فهو من ذلك الوجه له . وقد بيّنا في ذلك ما ليس هو بعالم بذلك الوجه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الدليل عندنا من طريق القرآن على لزوم القول بخلق الأفعال قوله : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 13 - 14 ] ، فلو لم يكن جل ثناؤه خالقا لما يجهر ويخفى لم يكن ليحتج به على علمه ، ومعلوم جواز الجهل من غير الذي يفعله ، لم يكن للاحتجاج به بفعل سواه معنى . وأيضا أن اللّه تعالى قال : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ يونس : 22 ] ، وقال في موضع آخر : وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ [ سبأ : 18 ] ، أخبر أن تقدير السير والتسيير فعله وبه كان السير . وقال : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [ الروم : 21 ] ، فيها خبر أن جعل المودة والرحمة من آياته وأن منامكم من آياته وابتغاؤكم من فضله ومن آياته ، ومن البعيد إنشاء غيره له من الآيات ؛ إذ ذلك الفاعل أحق أن تكون الآية له ، وهن كلهن أفعال الخلق . وقال : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً [ الحديد : 27 ] ، وقال : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [ المجادلة : 22 ] ، وقال : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً [ النحل : 80 ] ، وقال : وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً [ المائدة : 13 ] ، وفي الجملة قال اللّه : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : 107 ، البروج : 16 ] ، وفي أفعال العباد ما يريد ، وقد وعد أن يفعل ما يريد ، وقد ذم اللّه من أحب أن يحمد على ما لم يفعل ، وقد ألزم المؤمنين أن يحمدوه على الإيمان ، ثبت أن كان ذلك بفعله ، ولا قوة إلّا باللّه . والأصل فيه أن دلالة خلق فعل كل أحد عنده أعظم من دلالة خلق السماوات والأرض فيما أريد تعرف حقيقة ذلك بالعقل أنه لا أحد امتحن قوى جواهر العالم حتى يعلم خروج كل شيء عن ذلك واحتمال خلق مثله ، بل إنما يعرف ذلك بخروجه عن إمكان مثله ، ومعلوم وجود أمور في غيره من الجواهر مما امتنع جوهره عن احتمال ذلك ، نحو الطيران وإخراق الأشياء والسباحة بالجواهر وغير ذلك بقوى فيها ، ويعلم كل أن ليس لأحد من الخلق تدبير في فعله ، فيعلم بالضرورة بما خرج عن مقصوده وقصر عن الحد الذي يحده ، وكان مقدرا بما لا يحتمل وسعه التقدير به ، فيعلم به ضرورة أن الذي به قام هو الذي قدّره وأخرجه على ما أراد ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما لم يكن عند المعتزلة من اللّه إلى خلقه جملة سوى أنه أوجده بعد أن لم يكن ، وأن اللّه لم يزل موجودا ، وذلك المعنى في فعل كل أحد موجود ، على أنه لولا الأمر والنهي لم يكن العقل يحتمل إخراج شيء عن قدرة اللّه وصرف شيء إلى فعل غيره ، والأمر والنهي محل حق مع المعنى الذي يلزم القول به لولاهما لم يزل ذلك ،