أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
184
التوحيد
قوله إنه لا يعلم بنفس الحركة أنها مخلوقة ، فيجب هذا في كل عرض نحو الجمع والتفريق ، فيبطل أن يكون في شيء من ذلك دلالة خلقه . ثم لا سبيل إلى معرفة حقيقة الأعيان بدونها ، فكأن اللّه لم يقم دليلا على خلقه بكون تلك باللّه دون خلقه أبدا ، وذلك قول لم يتوهمه الشيطان ، لعلّ أحدا من أوليائه يبلغ بطاعته إياه هذا المبلغ ، نسأل اللّه العصمة عن ذلك . وعلى قوله : إن الشيء لا يدل على اللّه ، إنما يدل إذا علم سببه إسقاطه الدلالة عن الأجسام من أن يعرف بها اللّه سبحانه . قال : ومن عظيم ما أجمعوا عليه أن دليل خلق الجسم حدثه ، فكذلك كل محدث يدفع هذا ، وسأل الدليل ، وأيّد ذلك بما يجوز أن يعرفه محدثا من لا يعرف خلقا . قال الفقيه رحمه اللّه : نقول وباللّه التوفيق : أهل التوحيد إنما تكلموا في حدث العالم وثبات محدثه ، ولا أحد تكلف القول بخلق العالم وثبات خالقه ، فلو لا أنهم رأوا بالأول كفاية عن الثاني ، وجعلوا ثبات الحدث دليلا مقنعا في الخلق لصنعوا مثله ؛ لأن لكل إليه حاجة ، وذلك ممتنع . وقد احتج بخلق القرآن بالتبعض والتجزئة ، فمثله في كل الأعراض قائم ، فيلزم القول به ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم احتج لهم بخلق الشرور والأسقام ، وإن كانت ضارة لم لا قلت في الكفر ؟ قال الفقيه : وهذا سؤال لا يسأله أحد على الابتداء إلا على المعارضة ، إذ لم يسمّ خالق هذه الأشياء بها وجب أن يسمى بخلقه أفعال الخلق بأسمائها ، وهذا نوع ما ليس لغيره فعل في الحقيقة ، وفي أفعال الشرور ذلك . فأجاب بأن هذه الأشياء ليست بشرور في الحكمة ، بل هي رحمة بذكر التوبة وبزجر عن المعصية ، والكفر ليس بحكمة بوجه ، ألا ترى أنه لا يجوز خلقه لا عن أحد ، ويجوز في الأول . قال أبو منصور رحمه اللّه : فالأول يقال له في خلق فعل الكفر قبيحا ، وهو بذكر من عاينه عظيم فعله ، فيفزع إلى اللّه بالعصمة عنه بم يذكره حدث الذي منه ، فيدعوه إلى التوحيد ، ثم يعرف به سفه من منه ذلك وفسقه ، وبه يعرف اسمه وعواقبه ، ثم يعرفه أنه لا يضرّ الصانع ، ولا قوة إلّا باللّه . وقوله : لا يخلقه لا عن أحد ، كلام من لا يعقل ما يقول ، وإلا فهو اسم لفعل العبد ، فكيف يكون ولا عبد ، وهذا لمن يقول التحرّك هو زوال الجسم ، وهو لا يخلقه دونه ، فيجب خلقه منه حكمة ، وعلى ذلك جميع الأعراض وإماتة الخلق ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الأسقام لا يجوز أن يخلقها لا في أحد ولا أحد ، ثم لم يمنع تحقق الحكمة لها ، فمثله الذي ذكر ، واللّه الموفق . ثم عارض نفسه بأنه إذا قدرتم على إخراج الأعراض من العدم إلى الوجود لم لا جاز أن يقدروا على ذلك في الجسم ؟