أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
182
التوحيد
قال : واحتجوا أيضا بقوله : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [ الرعد : 16 ] ، إنه على قولكم تشبيه فعلكم خلقه ، فقال : معاذ اللّه ، بل فعلنا عبث وفساد وخضوع وذلّة ، وفعله حكمة وصواب وتفضّل وتطوّل . قال : وليس من حيث الحدث ، والحدث والخروج من العدم تشابه لاختلاف الجهة ، كما لم يكن في عالم وحي وقادر لاختلاف المعنى . قال : وبعد ، فإن فعلنا يخالف فعل اللّه لعينه ، ثم الإيجاد والحدث معنى يوجب التشابه ، وإنما يجوز ذلك في الأعيان بما يحل فيها ، مع ما يعارض بقول جهم حيث قال : في تحقيق الفعل تشابه ، ثم قال : العجب من إلزامهم التسمية بالإحداث ، ولم يلزموا أنفسهم فيما فعلوا فعل ربهم في الحقيقة . قال الفقيه رحمه اللّه : نقول وباللّه التوفيق أثبت اللّه تعالى التشابه من حيث الفعل حيث قال : خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [ الرعد : 16 ] ، نفى أن يكون من أحد خلق كخلقه ، وأوجب لهم العذر في عبادتهم ما كانوا يعبدون لو كان منهم خلق كخلقه . ثم لا سبيل إلى معاينة كيفية الإنشاء وإنما يعلم بالمنشإ ، إنه في حق الخروج من العدم إلى الوجود والحدث من لا أصل ، أو هو في حق الكسب والتحرك والسكون ، فمن حقق للعبد من الفعل من الوجه الذي يحقق من اللّه فقد وجد خلق كخلقه ؛ إذ لا وجه لفعله غير ذلك ، ولو كان بالذي يذكره دفع لكان لا وجه للاحتجاج ؛ لأنهم لو أثبتوا يقولون ليس ذلك كذلك ؛ لأن الذي منكم كان بفلاح ، وهذا النوع من الخيال ، ثم اتباع ذلك الحرف ودفع إمكان حقيقته بقوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] ليعلم كل أنه أي شيء أضافه إلى أحد أنه خلقه لم يقدروا عليه لوجود ضرورات له فيه توجب تدبير غيره في ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وقد قال اللّه عز وجل : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] ، وإذا جعلت لكل عند المعنى الذي به وصف اللّه تعالى بالخلق ، ويذهب كل بالذي منه ، فكان في ذلك تثبيت آلهة ، ذهب كل بما خلق ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما ليس من اللّه في الخلق سوى الوجود ، وذلك بعينه قد يوجد ، فأي معنى بقي مما به تمام التشابه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم من قول المسلمين في نفي تشبيه الخلق عن اللّه لأنه من الوجه الذي يقع فيه تشابه يوجب حدثه بحدث الآخر ، فلو لم يقع من حيث الحدث تشابه لم يكن ينفي من حيث لزوم الحدث ، مع ما كانت الحوادث في الأجسام هي أدلة حدثها ، وحدث الأجسام هو دلالة المحدث الصانع ، وذلك كله آية التشابه ، فقوله : لا يقع بذا تشابه ، لا معنى له ، إذا فإن خلق الشيء عندهم هو الخلق ، ولا شك في الخلق ذلة وخضوع وحاجة وعيوب وشيطان وشر وفتنة وبلاء وفساد ونتن وخبث وقذر ، كل هذا أوصاف