أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
172
التوحيد
كان لا يستعمل بطل مذهب الخصوم في معرفة الصانع لارتفاع الحواس عنه ، فيجب معرفته بذلك ، وهو على الاستدلال بالشاهد بم تجب جميع المعاني التي هي للعالم بأعراضه موجودة في أفعال الخلق ، فلئن لم يجب القول بخلقها لم يجز معرفة خلق البتة إلا بالسمع ، فيجب به استعمال العموم بقوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] ؛ إذ لا سبيل إلى وجود خلق شيء باسم الخاصية له ، أو يلزم القول بالقياس من الوجه الذي ذكر ، ثم لم يصر العبد بفعله خالقا ، ثبت أنه بغيره . مع ما إذ كان سبيل معرفة الفاعل إنما هو بآثار الفعل ، ثم كان الإيمان من أحسن الأفعال في العقول وأنور الأشياء وأتمها وأجلها قدرا وأبينها لمرضاته . فلو قلنا : إن اللّه غير خالق له دخل علينا أمران في ذلك : أحدهما تفضيل من يطيع اللّه بالإيمان وغيره على اللّه بما خلق من الأقذار والأنتان والخبائث والقبائح من الجواهر ، مع ما كان ما حسن من الجواهر لا يبلغ قدر الذي ذكر من العبادات في الحسن والخير . وإذا كان كذلك ، ومعلوم تفاضل الفاضلين بتفاضل أفعالهم أوجب ذلك فضل العبد على اللّه في الفعل والخلق ، وهذا بالمعتزلة أولى ؛ لأنهم زعموا أن فعل الكفر قبيح شر من جميع الوجوه ، وليس كذلك أمر القردة والخنازير ، فمثله فعل الإيمان من جميع جواهر الحسان ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني أن ثوابه إذ حسنه حسّي وحسن الإيمان عقلي وما حسن في الحسّ دون الذي يحسن في العقل ، إذ قد يجوز انقلاب مثله على ما مرّ بيانه ، ولا يجوز انقلاب الآخر ، وإذا كان كذلك فيقتصر الجزاء على قدر المجزى ، واللّه وعد جزاء الحسنة بعشرة أمثالها ، ثبت أن خلق فعل الإيمان حسنا للّه ، ولا قوة إلّا باللّه . وبعد ، فإن اللّه تعالى ذمّ الذين قالوا : وتحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، ثم ألزم عباده الشكر له على الإيمان ، والحمد للّه على الأنعام ، لم يجز أن يكون غير خالق لذلك فيستأدى الحمد على ما لم يفعله ، والشكر على ما لم يسد إلى أحد به ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إن معنى فعل اللّه هو الإبداع والإخراج من العدم إلى الوجود ، وصيّرت المعتزلة ذلك معنى فعل العبد ، ثم جعلت للعبد قدرة على الكسب ، ولم تجعل للّه ، فصار العبد بذلك أعظم في القدرة ؛ إذ هي تقع على مختلف الأمر من اللّه ؛ إذ قدرته ترجع إلى أحد الوجهين ، ومما يبين أن كل شيء فعله نوع جعلوه طباعا ، ومن كان فعلين جعلوه أخيارا عن قدرة ، فيجب في الأول كذلك ، وذلك هو الحق عند المعتزلة ؛ لأنهم يجعلون للعبد قدرة على منع الرب عن فعله فيما ينفي عنه الحيرة ، ولا يجعلون مثله للّه إلا أن يذهب عنه قدرة العبد ، وإذا ثبت أن في نفي خلق الأفعال تحقيق ذلك - وذلك مما يأباه العقل والسمع جميعا - ثبت أن اللّه خالق الأفعال كلها ، ولا قوة إلّا باللّه .