أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
155
التوحيد
آراء النصارى في المسيح والرد عليها قال الشيخ رحمه اللّه : وتفرّقت النصارى في المسيح ، فمنهم من جعل له روحين : أحدهما محدثا وهو روح الناسوتية ، يشبه أرواح الناس ، وروح لاهوتي قديمة ، جزء من اللّه ، صار في البدن ذلك . وقالوا : ليس إلا أب وابن وروح القدس . وآخرون جعلوا الروح الذي في المسيح اللّه ، لا الجزء ، لكن فريقا منهم يجعل في البدن على كون الشيء في الشيء ، وفريقا التدبير لا على إحاطة البدن به . وفيهم من يقول : ليصل إليه جزء من اللّه تعالى ، ويصل جزء آخر . قال ابن شبيب : سمعت من مولديهم أنه كان ابن التبني لا ابن الولاد ، كما سمعت أزواج محمد عليه السلام أمهات ، وكما يقول الرجل لآخر : يا بني . قال الشيخ رحمه اللّه : فيقال لهم : إذ كانت الروح التي فيه قديمة ، وهي بعض ، كيف صار ابنا ولم يصل غيره من الأبعاض ؟ فإن قيل : لأنه أقل ، لزمه جعل كل أبعاض العالم البنين للأكبر منها ، ويلزمه أن يجعل كل بعض من البقية كذلك ، فيصير بكليته بنين . ثم المعروف أن الابن يكون أصغر من الأب ، كيف صارا قديمين . وإن جعل الكل في البذر قيل له : أي شيء منه الابن ؟ فإن قال : الكل ، صيّر الكل ابنا وأبا ، وفي ذلك جعل الأب ابنا لنفسه . فإن قيل : هو جزء فيه ، من غير أن كان في كلية الأصل نقصان نحو الجزء المأخوذ من السراج ، عورض بما لو كان الجزء المأخوذ حادثا كما حدث في الذي يؤخذ من السراج ، فيبطل قوله في قدم الروح ، وهو الابن . وإن زعم أنه منقول من اللّه كالمأخوذ من السراج حلّ عليه ما سلف . وبعد ، فما يدريه أن المأخوذ من السراج لا ينتقض ؟ فإن قيل : معاينتنا إياه كذلك ، قيل : لعل اللّه أحدثه ، أو يكون كالنار في الحجر فيخرج ، وأيهما كان فهو حادث ، والحادث مخلوق ، فلم جاز أن يكون ابنا ؟ قال : من أن اللّه أظهر منه عجائب . قيل : وقد أظهر من موسى ، فقولوا : هو ابن آخر . فإن زعمتم أن ذلك كان بدعاء وتضرع فمثله أمر غيره . مع ما يحكى عن عيسى أنه كان يقول ليلة الأحد : اللهم إن كان من مشيئتك أن تصرف هذه الكأس المرّة عن أحد فاصرفها عني . فإن قيل : كان عن عيسى البكاء والتضرع ليعلّم الناس ، قيل مثله من موسى . وبعد ، فإنه وموسى كانا يصليان نحو بيت المقدس ويتضرعان ، ثم البكاء والتضرع فعل الطباع ، لا يمتنع عنهما ، فما معنى التعليم ؟ ثم إن استحق هو ذلك