أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
149
التوحيد
الدلالة من حمد العواقب وذمها ، فلزم القول في هذا بمن يعرف أحوال الحمد والذم ، فيخرج الأمر عليه على أنه لا بد لمن يكون يعتمد على عقله والاختلاف المتناقض ذلك سببه ، أو يرجع إلى مخصوص من العقل ، وفي ذلك القول بالرسول . ثم أمر الذبائح لا يحتمل أن يكون قبحها لنفسها لما يحل في موضع الانتقام ويحسن في العقول إذا تفكر في ذلك دفع الأذى والمكروه ، أو تقع العواقب فبطل قبح ذلك لنفسه ، فلزم جواز المحنة فيه بالترك والإذن ، وفي ذلك إباحة . وأيضا أن كل شيء حسّنه العقل فهو لا يقبح بحال ، وكذلك القبيح من الحسن ، وكل شيء قبح لنفار الطبع بما يتوهم حلوله في جوهر المتوهم فينفر طبعه لألمه ، ثم هذا قد يجوز أن يذهب ذلك بالاعتياد نحو القصابين والذين اعتادوا القتال ، فثبت أن النهي عنه طبيعي لا عقلي ، فتغيّر ذلك من العادة يزول ، وذلك نحو جواهر من الحيوان طبعه التوحش ، وعلى ذلك طبع الجميع عن الأحمال الثقيلة ، ثم تصير بالرياضة وتعويد غيره كأنها على ذلك طبعت ، فعلى ذلك أمر الحيوان . وأيضا أن كل حي إذ هو يموت ، ثم لم يلحق أحد به لائمه ، فمثله إذا جاء الإذن ممن هو له . وأحق من يقول الثنوية لأوجه : أحدها استجازتهم تباين النور والظلمة ثم الامتزاج ثم التباين ، وفي ذلك تفرّق بين كل مقترنين وتميّز بين كل ممتزجين ، وذلك معنى الذبح . والثاني أن الألم إما أن يحل بجوهر النور فيصير محتملا للأذى ، وهو شر ، ولولا ذلك لم ينه عن الذبح ؛ إذ هو ذلك ، ثم هو لا يخلو من أن يحل بجوهر النور ، فقد عمل الشر ، أو بجوهر الظلمة ، فالنهي والإنكار مما لا معنى له ؛ لأنه ينكر على من لا يحتمل طبعه القبول في ذلك ، كمن يأمر من ليس ما يطير به بالطيران ، أو أن يكون الألم يحل بجوهر الظلمة ، وذلك هو الحق عندهم ، ثم إما أن دخل عليه ذلك بجوهر النور فهو يصنع ما يذمّ عليه ، أو بجوهر الظلمة فقد أحسن حيث آلم الظلمة ؛ إذ ذلك عدل ، واللّه الموفق . وأيضا إن في الذبح إخراج الروح الصافي من الظلمة الكدرة ، وذلك الحق ، وهو عاقبة كل شيء .